في ظل النزاع المستمر بين الجيش وقوات" الدعم السريع" الذي دخل عامه الرابع، تتزايد الانتهاكات من دون أن تجد طريقها إلى المساءلة، لتتحول العدالة إلى مطلب مؤجل يثقل كاهل الضحايا.
وبينما تتعدد الروايات حول الجرائم المرتكبة، يظل القاسم المشترك هو غياب التحقيقات الفاعلة، وضعف الوصول إلى منظومة قضائية قادرة على الإنصاف.
هذا الواقع لا يعكس فقط أزمة قانونية، بل يكشف عن تحديات عميقة في تحقيق العدالة خلال فترات الصراع، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والأمنية، ويغيب صوت الضحايا في خضم الفوضى.
تتزايد تقارير الانتهاكات المرتكبة في حرب السودان وبخاصة من جانب قوات" الدعم السريع"، لكن غياب آليات التحقيق الفعالة يجعل كثيراً من هذه الجرائم بلا توثيق قانوني أو مساءلة.
يقول الباحث في القانون الدولي الإنساني عمر الفاتح إن" الحروب غالباً ما تُنتج بيئة معقدة يصعب فيها توثيق الجرائم بصورة منهجية، وبخاصة في ظل غياب مؤسسات الدولة أو ضعفها".
وأضاف أن" كثيراً من الانتهاكات، بما في ذلك الاعتداءات على المدنيين، لا يتم التحقيق فيها بسبب صعوبة الوصول إلى مواقع الأحداث أو نقص الموارد اللوجيستية والبشرية".
وأشار الفاتح إلى أن" التوثيق في مثل هذه الحالات يعتمد بصورة كبيرة على المبادرات الفردية أو منظمات المجتمع المدني، التي تعمل في ظروف محفوفة بالأخطار، وغالباً من دون حماية كافية.
وغياب آليات حماية الشهود يحد من استعداد الضحايا للإدلاء بشهاداتهم، خوفاً من الانتقام أو الوصمة الاجتماعية".
واستطرد أن، " تأخر التحقيق لا يعني فقط ضياع الأدلة مع مرور الوقت، بل يؤدي أيضاً إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، إذ يدرك الجناة أن فرص محاسبتهم ضعيفة في ظل الظروف الحالية.
هذا الوضع يضعف الثقة العامة في مؤسسات العدالة، ويزيد من الشعور بالإحباط لدى الضحايا".
ويرى الباحث في القانون الدولي الإنساني أن" الحفاظ على الأدلة، حتى في غياب المحاكمات الفورية، يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة مستقبلاً، لذا لا بد من بناء قواعد بيانات موثوقة، وتدريب كوادر محلية على التوثيق القانوني، بما يضمن عدم ضياع الحقوق".
تواجه الناجيات والضحايا تحديات كبيرة في الوصول إلى العدالة، في ظل غياب الدعم القانوني والنفسي الكافي.
توضح الناشطة في مجال حقوق الإنسان أميمة جعفر أن" الضحايا، وبخاصة النساء، يواجهن صعوبات مضاعفة، ليس فقط بسبب الانتهاكات التي تعرضن لها، بل أيضاً بسبب الوصمة الاجتماعية التي قد تمنعهن من التبليغ"، مشيرة إلى أن" كثيراً من الحالات تبقى في طي الكتمان، ما يزيد من معاناة الضحايا ويؤخر فرص حصولهم على أي صورة من صور الإنصاف".
وأردفت جعفر أن" غياب مراكز الدعم المتخصصة، سواء القانونية أو النفسية، يجعل عملية التعافي أكثر تعقيداً حيث لا تجد الضحايا المساحات الآمنة للتعبير أو المطالبة بحقوقهن، والنزوح وفقدان الاستقرار يزيدان من صعوبة الوصول إلى العدالة، وبخاصة في ظل تشتت الأسر وانعدام الوثائق الرسمية".
ولفتت إلى أن" بعض المبادرات المحلية تحاول سد هذه الفجوة، من خلال تقديم دعم نفسي أولي أو استشارات قانونية، لكنها تظل محدودة في ظل حجم الأزمة وتعقيدها، وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة يعوق تقديم خدمات شاملة ومتكاملة".
وأكدت الناشطة في مجال حقوق الإنسان أن" غياب العدالة لا يقتصر أثره في الضحايا وحدهم، بل يمتد إلى المجتمع ككل، إذ يسهم في تطبيع العنف وإضعاف الشعور بالأمان.
وتحقيق العدالة يتطلب نهجاً شاملاً يشمل الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب المسارات القانونية".
على رغم التحديات، تظل هناك مسارات قانونية محتملة يمكن أن تفتح الباب أمام المساءلة في المستقبل.
يقول الباحث القانوني الفاضل جمعة إن" العدالة في سياق النزاعات غالباً ما تكون مؤجلة، لكنها ليست مستحيلة، إذ يمكن تفعيل آليات العدالة الانتقالية بعد انتهاء الصراع، وهي تشمل لجان الحقيقة والمصالحة، والمحاكم الخاصة، أو التعاون مع جهات قضائية دولية".
وأضاف جمعة أن، " القانون الدولي يوفر أدوات مهمة لمحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حتى في حال ضعف أو غياب القضاء المحلي.
ومبدأ الولاية القضائية العالمية يتيح لبعض الدول محاكمة المتهمين، إذا توفرت الأدلة الكافية".
وزاد أن" نجاح هذه المسارات يعتمد على توفر الإرادة السياسية، إضافة إلى وجود توثيق دقيق ومهني للانتهاكات، يمكن استخدامه لاحقاً كأدلة قانونية.
ودعم المجتمع الدولي يلعب دوراً مهماً في دفع جهود المساءلة وتوفير الموارد اللازمة".
ومضى الباحث القانوني في القول إن" العدالة ليست فقط مسألة قانونية، بل هي عنصر أساس في بناء السلام، إذ تسهم في استعادة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتمنع تكرار الانتهاكات في المستقبل".
يبقى السؤال حول إمكان تحقيق العدالة مفتوحاً، لكن تجارب دول أخرى تشير إلى أن المحاسبة يمكن أن تتحقق حتى بعد أعوام من انتهاء النزاع.
هنا تشير الباحثة في دراسات السلام نشمة هاشم إلى إن" العدالة في ما بعد النزاعات ليست عملية فورية، بل هي مسار طويل يتطلب تهيئة الظروف السياسية والقانونية".
ونوهت هاشم إلى أن" كثيراً من الدول شهدت محاكمات بعد انتهاء الحروب بأعوام، اعتماداً على الأدلة التي تم جمعها خلال فترة النزاع".
وتابعت" وجود وعي متزايد بحقوق الإنسان، إلى جانب دور المنظمات المحلية والدولية، قد يسهم في الدفع نحو تحقيق العدالة.
واستمرار جهود التوثيق يمثل ركيزة أساسية لأي مسار مستقبلي".
ولفتت إلى أن" الأمل في العدالة لا يقتصر على المحاكمات، بل يشمل أيضاً إصلاح المؤسسات، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وهي عناصر ضرورية لبناء سلام مستدام".
وترى الباحثة في دراسات السلام أن، " الحفاظ على هذا الأمل، على رغم صعوبة الواقع، يمثل عنصراً مهماً في صمود المجتمعات، ويعكس إيمانها بإمكانية تحقيق العدالة، حتى وإن تأخرت".


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك