بعد أيام من الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم، يجد لاعبو منتخبين كانا يحلمان برفع الكأس أنفسهم مطالبين بالعودة إلى الملعب من أجل جائزة لم تكن ضمن خططهم: المركز الثالث.
لا يتأهل أحد إلى مباراة المركز الثالث في كأس العالم عن طريق الفوز.
يدخلها منتخبان بعد خسارة مؤلمة.
لذلك تبدو كأنها الموعد الوحيد في البطولة الذي يحتاج المشاركون فيه إلى إقناع أنفسهم بأهميته قبل محاولة الفوز به.
في كأس العالم 2026، تجمع المباراة بين إنكلترا وفرنسا يوم السبت 18 يوليو/ تموز على ملعب ميامي، ضمن اللقاء رقم 103 في النسخة الموسعة من البطولة.
خسرت فرنسا أمام إسبانيا بهدفين دون رد، بينما خرجت إنكلترا أمام الأرجنتين بنتيجة 2-1 بعدما كانت متقدمة حتى الدقائق الأخيرة.
فلماذا تستمر كأس العالم في إقامة مباراة لا يرغب أي منتخب في بلوغها؟ وهل يمكن أن تتحول خيبة نصف النهائي إلى لقاء يستحق المشاهدة؟تكمن غرابة مباراة المركز الثالث في أن طرفيها يصلان إليها بالطريقة نفسها: خسارة في نصف النهائي وانتهاء الحلم الأكبر.
أمضى لاعبو إنكلترا وفرنسا أسابيع وهم يتقدمون نحو الكأس، ثم تغير الهدف خلال ليلة واحدة.
لم يعد المطلوب بلوغ النهائي أو التتويج باللقب، وإنما إنهاء البطولة بانتصار والحصول على الميدالية البرونزية.
تبدو مهمة إنكلترا النفسية أكثر تعقيدًا بسبب الطريقة التي خسرت بها.
تقدم المنتخب بهدف أنتوني غوردون في الدقيقة 55، قبل أن يسجل إنزو فرنانديز التعادل للأرجنتين في الدقيقة 85، ويحرز لاوتارو مارتينيز هدف الفوز في الوقت بدل الضائع.
لم تكن إنكلترا بعيدة عن النهائي، لكنها تراجعت للدفاع عن تقدمها ودفعت الثمن في الدقائق الأخيرة.
أما فرنسا، فخرجت بخسارة أوضح أمام إسبانيا، بعدما عجز خطها الهجومي عن تجاوز التنظيم الإسباني واستقبل مرماها هدفين حملا المنتخب الإسباني إلى النهائي.
يصل كل منتخب إلى كأس العالم وفي ذهنه مجموعة من الأهداف المحتملة.
المنتخبات الصغيرة تطمح إلى تجاوز دور المجموعات، وأخرى ترى في ربع النهائي إنجازًا، فيما لا تقبل القوى الكبرى بأقل من المنافسة على اللقب.
المركز الثالث نادرًا ما يكون هدفًا معلنًا.
حتى عندما يمثّل أفضل نتيجة يحققها منتخب منذ سنوات، فإنه لا يظهر إلا بعد انهيار الهدف الأكبر.
لهذا تبدو المباراة أقرب إلى محاولة إعادة ترتيب الخسارة منها إلى محطة مستقلة في البطولة.
قد يلجأ بعض المدربين إلى إشراك اللاعبين الذين لم يحصلوا على دقائق كثيرة، أو إراحة أسماء أساسية عانت من الإرهاق والإصابات.
ينظر لاعبون آخرون إلى اللقاء بوصفه فرصة أخيرة لترك أثر في البطولة أو تحسين حصيلتهم الفردية.
يضاف إلى ذلك أن اللاعبين خاضوا سبع مباريات في نسخة موسعة امتدت عبر ثلاث دول و16 مدينة.
من هنا تبرز الاعتراضات المعتادة على المباراة:رغم الانتقادات، لا تزال مباراة المركز الثالث جزءًا ثابتًا من برنامج كأس العالم.
فهي تحدد الترتيب النهائي للمنتخبين الخاسرين في نصف النهائي، وتمنح أحدهما موقعًا على منصة التتويج بدل العودة بهزيمتين متتاليتين.
تكتسب المباراة معنى أكبر عندما يكون الوصول إلى المربع الذهبي إنجازًا استثنائيًا.
في مونديال قطر 2022، دخل المغرب اللقاء بعد أول وصول عربي وإفريقي إلى نصف النهائي، بينما أرادت كرواتيا تأكيد استمرارها بين كبار العالم.
فازت كرواتيا بنتيجة 2-1، لكنها لم تتعامل مع الميدالية البرونزية باعتبارها جائزة بلا قيمة.
لهذا لا يمكن وصف المباراة بأنها عديمة المعنى تمامًا.
قيمتها تتغير بحسب هوية المنتخب وطموحاته.
لماذا تكون ممتعة أحيانًا؟المفارقة أن اللقاء الذي يوصف بأنه غير مرغوب فيه قد يكون من أكثر مباريات الأدوار النهائية تحررًا.
لا يخشى الفريقان الإقصاء لأنهما خرجا بالفعل من سباق اللقب، ولا يحتاجان إلى حماية التعادل انتظارًا لمباراة أخرى.
تتراجع الحسابات أحيانًا، وتظهر المساحات، ويحصل اللاعبون على حرية هجومية يصعب منحها في نصف النهائي.
سجلت هذه المباراة بعض أكثر المواجهات غزارة في تاريخ كأس العالم.
فازت فرنسا على ألمانيا الغربية بنتيجة 6-3 عام 1958، وتغلبت ألمانيا على أوروغواي 3-2 في نسخة 2010، بينما انتزعت كرواتيا المركز الثالث عام 1998 بالفوز على هولندا 2-1.
قد تفتح المباراة أيضًا بابًا فرديًا لا يزال مهمًا.
أهداف لقاء المركز الثالث تُحتسب في سباق هداف البطولة، ما يمنح المهاجمين فرصة أخيرة لتحسين رصيدهم أو حسم جائزة فردية، حتى بعدما غادر منتخبهم سباق الكأس.
لن تعيد هذه المباراة لاعبًا إلى سباق الكأس، لكنها تستطيع تغيير ترتيبه بين الهدافين أو منحه رقمًا يبقى في سجله.
تاريخ مختلف لإنكلترا وفرنساتعرف إنكلترا جيدًا مرارة هذه المباراة.
خاضتها في مونديال 1990 بعد خسارتها أمام ألمانيا الغربية بركلات الترجيح، ثم خسرت أمام إيطاليا 2-1.
عادت إليها عام 2018 بعد خروجها أمام كرواتيا، وخسرت هذه المرة أمام بلجيكا بهدفين دون رد.
لم يسبق للمنتخب الإنكليزي أن أنهى كأس العالم في المركز الثالث.
تملك فرنسا ذكريات أفضل مع البرونزية.
أنهت مونديال 1958 في المركز الثالث بعد الفوز 6-3 على ألمانيا الغربية، في النسخة التي سجل خلالها جوست فونتين رقمه القياسي التاريخي بإحراز 13 هدفًا.
كررت الإنجاز في المكسيك عام 1986 عندما تغلبت على بلجيكا 4-2 بعد التمديد.
يمتلك المنتخبان لذلك دافعين مختلفين.
تبحث إنكلترا عن أول مركز ثالث في تاريخها، وعن نهاية تخفف ألم الانهيار المتأخر أمام الأرجنتين.
أما فرنسا، فتريد تجنب إنهاء مشوارها بخسارتين، وإضافة برونزية جديدة إلى تاريخ حافل بالوصول إلى الأدوار النهائية.
فرصة أخيرة لتغيير النهايةلن تعوض الميدالية البرونزية إنكلترا أو فرنسا عن فرصة خوض النهائي.
سيبقى السؤال الأكبر متعلقًا بما حدث في نصف النهائي، وبالقرارات التي حرمت كل منتخب من مواصلة طريقه نحو اللقب.
مع ذلك، يبقى فارق بين مغادرة البطولة بهزيمتين متتاليتين وإنهائها بانتصار، وبين العودة بذكرى السقوط وحدها والوقوف على منصة التتويج، ولو على الدرجة الثالثة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك