لا تكمن المعضلة الكبرى في سوريا اليوم في تعقيد الواقع السياسي فحسب، وإنما في الفجوة الهائلة بين هذا الواقع وبين قدرة قطاعات واسعة من النخب العلمانية والحداثية على فهمه نظرياً، ثم التعامل معه عملياً.
فبعد عامٍ ونيّف على التحوّل التاريخي الذي أفضى إلى إسقاط نظام الأسد وولادة مشهدٍ سياسي جديد، ما زال جزءٌ معتبر من تلك النخب أسير قوالب فكرية قديمة، عاجزاً عن إنتاج قراءةٍ جذرية وشاملة لما جرى، فضلاً عن اجتراح أدواتٍ تنظيمية وسياسية للتفاعل مع المرحلة من موقع المعارضة الوطنية الفاعلة.
إن التحوّل الذي شهدته سوريا لم يكن انقلاباً إدارياً محدوداً، ولا تبدّلاً سطحياً في الوجوه واللافتات، وإنما كان تحوّلاً بنيوياً عميقاً في ميزان القوى، وفي مفهوم الشرعية، وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وفي طبيعة الأسئلة المطروحة على الساحة الوطنية.
غير أن كثيراً من النخب التي طالما قدّمت نفسها بوصفها “عقل الحداثة السورية” بدت وكأنها لم تستوعب بعد أن التاريخ قد قفز قفزةً نوعية تجاوزت أدواتها التحليلية القديمة.
المفارقة اللافتة أن هذه النخب، التي اعتادت لسنوات طويلة تفسير عجزها بذريعة القمع السياسي وانسداد المجال العام، تجد نفسها اليوم أمام واقعٍ مختلف تماماً يتمثل في وجود سقفٍ عالٍ من الحرية الفكرية والثقافية، ومساحات مفتوحة للنقاش والكتابة والتنظيم، وندوات ومؤتمرات ومنابر متاحة، وإمكانية حقيقية لتشكيل تياراتٍ سياسية ومدنية فاعلة.
ومع ذلك، فإن الحصيلة حتى الآن تبدو هزيلة إلى حدٍّ يثير التساؤل الجاد: أين الخلل؟ هل هو في الواقع الاجتماعي والثقافي أم في قدرة العقل الحداثي السوري على التكيّف مع هذا الواقع؟إن الادعاء بأن غياب قانونٍ للأحزاب السياسية يشكّل العقبة الأساسية أمام تنظيم المعارضة هو، في كثيرٍ من الأحيان، عذرٌ شكلي أكثر منه تفسيراً حقيقياً.
فالتجربة الملموسة تُظهر أن جهاتٍ وتيارات عديدة استطاعت التحرك، وعقد اللقاءات، وبناء شبكات تواصل، والعمل العلني في فضاءات متعددة.
وعليه، فإن ما ينقص هذه النخب ليس الإطار القانوني بقدر ما ينقصها الإطار النظري والتنظيمي والعملي، والذي يتمثل في رؤيةٍ واضحة لماهية الدولة الجديدة، ولطبيعة المجتمع الذي تغيّر، وللأدوات الواقعية التي يمكن من خلالها التأثير في السياسات العامة.
ولعلّ المشهد الأكثر دلالة على هذه الأزمة يتمثّل في الطريقة التي تتعامل بها الدولة الجديدة – ذات الخلفية الإسلامية – مع النخب العلمانية والحداثية.
فهذه الدولة، التي كانت رموزها حتى الأمس القريب تُوصَف بأبشع النعوت، تُظهر اليوم قدراً لافتاً من الانفتاح، وتدعو تلك النخب إلى المؤتمرات والفعاليات والمعارض، وتفتح أمامها المنابر والقنوات.
وهذا المشهد يُقدَّم بوصفه دليلاً على سعة الحرية، وهو كذلك بالفعل.
لكنّه في الوقت نفسه يكشف بُعداً آخر خفياً يتمثل في أنه اختبارٌ عملي لمدى قدرة تلك النخب على تحويل خطابها إلى فعلٍ مؤثر.
فحين تُتاح حرية التعبير والرأي كاملة، ويُرفع القيد، ويُفتح الفضاء العام، ثم لا ينتج عن ذلك سوى خطاباتٍ عامة، وشعاراتٍ مجرّدة، وندواتٍ تعيد تدوير اللغة نفسها التي استُهلكت منذ عقود، فإن الحرية تتحول – من حيث لا يشعر أصحابها – إلى مرآةٍ فاضحة لحدود هذا الخطاب.
وهنا تبدو المفارقة جارحة.
وتتمثل في أن يكون أكثر ما يكشف عجز بعض النخب ليس القمع، وإنما هو المساحة المفتوحة نفسها.
لقد نجح التيار الإسلامي – شئنا أم أبينا – في اجتياز اختبار الواقع حيث أخفقت تلك النخب.
فهو قد نجح في إسقاط النظام عملياً، وفي بناء قوةٍ على الأرض، وفي قراءة تعقيدات الإقليم والعالم، وفي مخاطبة القوى الدولية بلغتها، بل وفي الوصول إلى صيغٍ من التفاهمات والشراكات.
وقد نختلف مع بعض خياراته، وقد ننتقد أخطاءه، لكن الواقع السياسي يُظهر أنه امتلك أدوات الفعل، بينما بقيت قطاعات واسعة من النخب الحداثية أسيرة تنظيرٍ لا يلامس حياة الناس.
أين التنظيمات المدنية القادرة على مخاطبة الناس بلغتهم وهمومهم؟ أين القدرة على التحول من “معارضةٍ ثقافية” إلى “معارضةٍ سياسية” تمتلك رؤية وبرنامجاً وأدوات؟عامٌ كامل مرّ على مرحلة التحرير، خاضت فيه السلطة الجديدة تجربة حكمٍ معقّدة، تعلّمت وأخطأت وصحّحت واتخذت قراراتٍ صعبة.
وفي المقابل، ما زال جزءٌ كبير من تلك النخب عاجزاً حتى عن تحديد موقعه في المشهد الجديد.
فلا خطاب متماسك، ولا برنامج عملي، ولا قدرة على مخاطبة مجتمعٍ يبحث عن حلولٍ للاقتصاد والإدارة والخدمات والعدالة الاجتماعية.
وكأن الزمن تجاوزهم وهم لم ينتبهوا بعد.
إن السؤال الجوهري الذي يجب أن تواجهه هذه النخب بصدق هو: ماذا قدّمتم فعلاً للسوريين في هذه المرحلة؟ ما هي مشاريعكم الواقعية لإصلاح الإدارة، أو تحريك الاقتصاد، أو تطوير التعليم، أو بناء العدالة الانتقالية؟ أين التنظيمات المدنية القادرة على مخاطبة الناس بلغتهم وهمومهم؟ أين القدرة على التحول من “معارضةٍ ثقافية” إلى “معارضةٍ سياسية” تمتلك رؤية وبرنامجاً وأدوات؟وما يجب التأكيد عليه، في سوريا اليوم، أن المشكلة لم تعد في استبدادٍ يمنع الكلام، ولا في سلطةٍ تغلق المنابر.
فالأبواب مفتوحة، والميكروفونات متاحة، والفضاء العام يتّسع للجميع.
لكن الامتحان الحقيقي يبدأ هنا بالضبط.
حين تُرفع الذرائع، وتبقى العقول عاجزة عن إنتاج الجديد.
فالتاريخ لا يرحم الخطابات الفارغة، والسياسة لا تعترف إلا بمن يمتلك القدرة على الإنجاز، لا على التذمّر.
إن المطلوب من هذه النخب ليس أن تتخلى عن قناعاتها، وإنما أن تعيد بناء أدواتها.
أن تعترف بأن المجتمع السوري بعد الحرب ليس هو المجتمع نفسه قبلها، وأن لغة الشعارات الكبرى عن “الدولة المدنية” و”الحداثة” لم تعد تكفي وحدها.
والمطلوب هو إبداع رؤيةٍ نظرية جديدة تفهم التحول الذي جرى، ثم عملٌ تنظيمي دؤوب لبناء تياراتٍ سياسية حقيقية، وبرامج تفصيلية، وشبكات تواصل مع الناس، بدل الاكتفاء بالشكوى من “هيمنة” الآخرين.
فالمعارضة الحقيقية ليست تكراراً لمقولاتٍ قديمة، وإنما هي قدرة على التأثير في الواقع، وعلى إنتاج بدائل مقنعة.
ومن لا يملك ذلك، فسيجد نفسه – شاء أم أبى – يتحول إلى جزءٍ من مشهدٍ للفرجة العامة.
يُستدعى إلى الفعاليات، ويُصفَّق له أحياناً، لكن من دون أن يكون لاعباً حقيقياً في صناعة المستقبل.
إن سوريا الجديدة لا تحتاج إلى متاحف فكرية، وإنما إلى عقولٍ حيّة قادرة على مواكبة العصر.
والأبواب المفتوحة وحدها لا تصنع حضوراً سياسياً، ما لم يرافقها فكرٌ عميق، ومشروعٌ واقعي، وتنظيمٌ فعّال.
ومن لا ينهض لهذه المهمة، فليس له أن يلوم أحداً إن وجد نفسه خارج التاريخ، يراقب التحولات الكبرى من مقاعد المتفرجين.
تلك هي الحقيقة القاسية.
لكنها الحقيقة التي لا مفرّ منها نهايةَ المطاف!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك