قد يبدو الأمر كقصة أحد الخارجين عن القانون في أية دولة وفي أي مكان، لكن ظهور أسماء شخصيات لامعة في ملفاته أكسب قضيته شهرة واسعة.
يبدو أن إبستين كان مجرمًا اجتماعيًا استطاع تكوين شبكة علاقات واسعة بحكم طبيعة عمله في إدارة أصول أموال عملاء تزيد ثرواتهم على مليار دولار أمريكي.
في رواية «جاتسبي العظيم» (The Great Gatsby) للروائي الأمريكي فرانسيس سكوت فيتزجيرالد، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي من بطولة النجم ليوناردو دي كابريو، يروي بطل الرواية «نيك كاراواي» ـ الذي يختلف عن بقية سكان المنطقة لأنه تلقى تعليمًا جامعيًا راقيًا في إحدى الجامعات المرموقة ـ قصة جاره «جاي جاتسبي» الذي يعيش حياة المشاهير، ويقيم كل سبت حفلًا صاخبًا في قصره المنيف يحضره المئات من الضيوف، إلى أن قُتل ذات يوم رميًا بالرصاص، ولم يحضر جنازته سوى ثلاثة أشخاص.
والده، وأحد الضيوف، ونيك كاراواي.
تعبر الرواية عن تسلق كثيرين ممن يتصفون بانعدام الذوق لسلم الثروة، وعن النظرة الدونية والاستعلائية التي تنظر بها إليهم الطبقة الأرستقراطية الأصيلة، لكنها تعبر أيضًا عن انهيار" الحلم الأمريكي" بالنجاح والثروة أمام الجشع والفساد والمتع الحسية والرغبة في الإثراء السريع على حساب القيم الأخلاقية.
وكأن الرواية كانت تتنبأ بفضيحة إبستين، غير أن الواقع كان أشد قسوة وإجرامًا من الخيال الروائي.
كما أن تورط نيك كاراواي في شبكة صداقات جاتسبي لا يشينه بصورة مباشرة، لكنه يشبه تورط بعض الأسماء اللامعة في قضية إبستين.
تعليقات كثيرين على تلك الحادثة لفتت الانتباه؛ إذ اعتبرها بعضهم نبوءة بسقوط العلمانية، وآخرون تحدثوا عن سقوط الديمقراطية، وغيرهم عن" فضيحة الغرب"، لكن كيف نصف شخصًا خارجًا على القانون بالعلمانية؟ إبستين سفاح منحرف، والعلمانية في الأساس" طريقة تفكير" تقوم على إعمال العقل المجرد من المرجعيات الدينية في إدارة الشأن العام، ولا تعارض بين أن يكون الإنسان علمانيًا ومتدينًا في الوقت نفسه؛ فهناك كثير من العلمانيين المتدينين في أنحاء العالم.
ولم يكن إبستين ديمقراطيًا كذلك.
فأي ديمقراطية في البغاء، والاتجار بالبشر، واستغلال القاصرات؟منطق معوج أن نجعل إبستين ممثلًا للعلمانية أو الديمقراطية أو الغرب.
هل يمثل الغرب باكتشافاته العلمية، أو تقدمه التكنولوجي، أو احترامه للحريات الشخصية، أو عدم التدخل في شؤون الآخرين، أو الانضباط في العمل، أو آدابه الراقية، أو فنونه الرفيعة، أو جامعاته العريقة؟ يمكن إذًا أن نتصفح جريدة" الأهرام" أو" الأخبار" أو غيرهما، ونقف عند صفحات الحوادث لنقول: " هي دي مصر"! أم أن مصر هي الهرم، والنيل، والمصريون؟ينبغي أن نكون أكثر موضوعية في تعاملنا مع الآخرين، حتى لا تلومنا الأجيال القادمة عندما تكبر وتستطيع أن تعي الأمور وتحكم بنفسها، فتتهمنا بالمغالطة وخداع النفس.
لكن لنتذكر أيضًا أن إبستين قد مات في السجن، في حين أن آخرين حول العالم يشابهونه ما زالوا أحرارًا طُلقاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك