برلين – «القدس العربي»: افتتح فيلم «لا رجال صالحون» للمخرجة الأفغانية شهبانو سادات مهرجان برلين السينمائي في دورته السادسة والسبعين (من 12 إلى 22 فبراير/شباط 2026).
يبدو كل شيء في الفيلم للوهلة الأولى مألوفاً ومطمئناً: ورود حمراء بمناسبة عيد الحب، وامرأة شابة ترتدي ملابس حديثة وغطاء رأس، يكشف قدرا كبيرا من شعرها، هي أم لطفل صغير، ومصورة تلفزيونية تحاول إثبات نفسها في بيئة عمل يهيمن عليها الرجال.
يكتشف محاور وصحافي شهير في قناة تلفزيون كابول موهبتها، ونرى بدايات إعجاب وانجذاب بينهما، ويتبادر إلى أذهاننا العديد من قصص الحب التي شاهدناها على الشاشة.
لكن هذا الإطار اللطيف لا يصمد طويلاً.
فسرعان ما نكتشف قسوة الحياة في أفغانستان، وتقلباتها السياسية لا تمنح الإعجاب الوليد فرصة لينمو ويزدهر.
تلعب سادات الدور الرئيسي في الفيلم، حيث تؤدي شخصية نارو، المصوّرة في محطة تلفزيونية في كابول، وأم لطفل صغير، منفصلة عن زوج خائن وعنيف، وتسعى للعيش مستقلة داخل مجتمع لا يرحم المرأة، إن خرجت عن أدوارها التقليدية، في البداية تجد نارو نفسها محصورة في البرامج الخفيفة، بينما تُمنع من تغطية الأخبار «الجدية» التي يحتكرها الرجال.
في مهرجان يفاخر بالتزامه السياسي وتناوله للقضايا الجادة مثل مهرجان برلين، يبدو اختيار «لا رجال صالحون» اختيارا ملائماً، فهو فيلم يتناول قضايا المرأة وحقوقها، على خلفية مجتمع ذكوري متطرف تعصف به طالبان، ولكن هذه القضايا لا تجعل من الفيلم عملاً فنياً متماسكاً قوياً مؤثراً، فهو فيلم لا يخلد في الذاكرة، نشاهده وندرك خطابه، ولكننا ننساه فور خروجنا من قاعة السينما.
في أحد المشاهد الساخرة يُظهر خبير في برنامج تصوره نارو، يشبّه المرأة بالوردة النضرة اليانعة التي تفقد أوراقها ورونقها مع تكرار الحمل وتقدم العمر، ولذا فهو ينصح النساء بالإكثار من التزين واستخدام مساحيق التجميل، حتى لا ينظر أزواجهن إلى نساء أخريات.
وسط غرفة التحرير، تتبادل النساء الضحكات والفضفضات كوسيلة مقاومة صغيرة، وفي لحظة صريحة تقول نارو جملتها التي تعنون الفيلم: «لا يوجد رجال صالحون في أفغانستان» الجملة ليست تعميماً عاطفياً بقدر ما هي خلاصة تجربة: ضرب، خيانة، وهيمنة ذكورية متجذّرة في الثقافة قبل السياسة.
الفيلم لا يقدّم النساء كضحايا صامتات، بل كأجساد وأصوات تحاول اقتناص مساحات حرية صغيرة، حتى لو كانت على هيئة نكتة جريئة، أو لعبة جنسية تهديها صديقة لنارو احتفالا بانفصالها عن زوجها.
هذه اللحظات، رغم خفتها الظاهرية تشير إلى محاولة النساء اختلاس بضع دقائق من الخفة والتصدي لقمع الرجال والمجتمع لهن.
في الجهة الأخرى، نرى الرجال يتبادلون «دعابات» تكشف جوهر السلطة الذكورية، مثل اقتراح أحدهم خطف المرأة التي يحبها وجعلها حاملاً قسرا حتى لا تقوى على تركه.
العنف ضد المرأة يبدو أمراً عادياً لا يشغل بال المجتمع، ويمارسه الرجال بأريحية واعتيادية بالغة.
وسط هذا العالم يظهر «قدرات»، وهو محاور تلفزيوني مشهور يتمتع بحضور جذاب، لكنه في الوقت نفسه متأثر بالمجتمع الذكوري الذي يسيطر على بلاده.
أول رد فعله حين تُكلف نارو بمرافقته إلى الميدان هو طلب مصور حقيقي بدلاً منها.
هنا يستقي الفيلم عناصر أفلام الكوميديا الرومانسية الكلاسيكية: سوء فهم، وامرأة قوية الشكيمة وعنيدة تثبت جدارتها، والرجل الذي يتعلم احترامها، ثم الانجذاب بينهما.
ولكن الفيلم يذكرنا دوماً بأننا في أفغانستان بواقعها القاسي، حتى قبل انسحاب القوات الأمريكية وعودة طالبان إلى السلطة.
كل اقتراب عاطفي يقاطعه الواقع بعنف، إنه واقع تملؤه التفجيرات الانتحارية، والاشتباكات.
يوازي الفيلم الإعجاب بين «نارو» و»قدرات» بتصاعد سياسي واضح: تحقيقات عن اغتصاب جماعي، مقابلة تلفزيونية مع قيادي في طالبان ينهيها على الفور عند سقوط الحجاب من على رأس «نارو» وانكشاف شعرها.
تتزايد وتيرة العنف في أفغانستان، لتصل إلى ذروتها في ربعه الأخير.
ومع اقتراب النهاية، تتفجر الفوضى في مشاهد عنف وذعر تُذهب من تفكيرنا تماما قصة الحب الوليدة، لتحل محلها محاولات مستميتة للنجاة من العنف واجتياح طالبان للبلاد.
في النهاية يتحول الحب إلى تضحية من أجل فرصة حياة أفضل خارج أفغانستان.
ما يتركه الفيلم في الذاكرة ليس قصة حب جميلة ولا بياناً سياسياً مباشراً، بل سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً: كيف يمكن للحب أن يعيش في منظومة ترى المرأة ملكية؟ وكيف يمكن للرجل أن يكون صالحاً داخل ثقافة تسخر من الصلاح وتكافئ القسوة؟ سادات لا تبرّئ الرجال، لكنها أيضاً لا تنفي إمكانية التغيير الفردي، وكأن الفيلم رسالة حب هشّة لأولئك الذين يحاولون أن يكونوا أفضل رغم أن المجتمع يعاقبهم على ذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك