حقّق فيلم هامنت حضورًا لافتًا وتفاعلًا واسعًا في الآونة الأخيرة، إذ يتناول جانبًا حميماً من الحياة الزوجية لوليم شكسبير، مُسلّطًا الضوء على علاقته بزوجته، آن هاثاواي، وعلى ابنه هامنت، الذي يرحل عن الحياة في ربيعه الحادي عشر، في محاولة لقراءة التجربة العائلية للشاعر من منظور إنساني وعاطفي.
الفيلم مقتبس من رواية للكاتبة، ماغي أوفاريل، تحمل ذات العنوان، حيث تُعيد الرواية تمثيل الحياة الأسرية للشاعر، كاشفةً عن أبعادها النفسية والعاطفية.
كما تعكس أوفاريل منظورًا نقديًا حديثًا يرى في مسرحية هاملت شكلًا من أشكال الرثاء غير المباشر لهامنت، إذ تصوّر الرواية، ويتبناها الفيلم في معالجته الإخراجية، عبر كتابة مسرحية هاملت بوصفها استجابة فنية لفقد الابن، وتذهب إلى أنّ موت هامنت كان السبب الرئيس الكامن وراء وجود هذه المأساة الشكسبيرية.
ويستند هذا المنظور إلى مقالة الناقد الأميركي، ستيفن غرينبلات، المعنونة" موت هامنت وتكوُّن هاملت"، التي يقيم فيها علاقة تأويلية دقيقة بين الحدثين، لا على أساس السببية المباشرة، بل بوصفها صلة وجدانية وثقافية أعمق.
ففي قراءة غرينبلات، لا يتحوّل فقدان شكسبير لابنه إلى سبب ميكانيكي لكتابة هاملت، وإنّما إلى خلفية عاطفية كثيفة أسهمت في تشكيل المناخ النفسي الذي تبلورت فيه المأساة.
بل يمضي أبعد من ذلك حين يلمّح إلى أنّ أداء شكسبير المُحتمل لدور شبح والد هاملت تمكن قراءته بوصفه فعلًا تخييليًا ذا طابع استرجاعي، يُعاد فيه تمثيل وداعٍ مؤجَّل، وكأن المسرح يغدو فضاءً رمزيًا يعوّض ما لم يُتح قوله في الواقع، ويمنح الفقدان صوتًا مُتأخّرًا داخل بنية الدراما.
لا يصحّ اعتبار فيلم هامنت استعراضاً لسيرة ذاتية مؤرّخة وموثّقة.
بيد أنّ هذه الرؤية تظلّ قاصرة، إذ إنّ الحياة الشخصية لشكسبير يكتنفها قدرٌ كبير من الغموض، ولا تتوافر عنها مُعطيات تفصيلية موثوقة يمكن الاعتماد عليها كمصادر رصينة لنبني عليها مثل هذا الرأي.
ومن ثمّ يفتقر هذا الطرح إلى أدلة تاريخية مؤكّدة، ويقترب في بعض وجوهه من الخيال التأويلي أكثر مما يستند إلى وقائع مُثبتة.
فإذا كانت هُويّة شكسبير نفسها قد شكّلت على مدى طويل موضع جدل بين المؤرخين والباحثين، فكيف يمكن الجزم بتفاصيل دقيقة تتصل بابنه المُتوفى في عامه الحادي عشر، أو بحياته الزوجية، أو بالأثر النفسي المباشر لهذه الوقائع على نتاجه المسرحي؟إنّ مثل هذا الربط، مهما بدا جذابًا من الناحية الدرامية، يظلّ أقرب إلى فرضية نقدية لا كقراءة تاريخية صحيحة.
وفي ما يخصّ مصادر مسرحية هاملت، يتفق عدد من أبرز الباحثين والنقّاد في الأدب الإنكليزي، مثل تي.
إس.
إليوت، وإيه.
سي.
برادلي، وإيفور إيفانز وغيرهم، على أنّ المسرحية تُظهر تأثّرًا واضحًا بمسرحية" المأساة الإسبانية" لتوماس كيد، سواء على مستوى الحبكة أو على مستوى البناء الدرامي أو في آليات تطوير الشخصيات أو في التمثيل النفسي المُعقّد للصراع الداخلي الذي يعتمل في شخصية البطل.
وهو ما يعكس في المحصلة انخراط شكسبير في تقاليد المسرح الإليزابيثي السابقة عليه، واستثماره الواعي لها في صياغة تحفته المأساوية الشهيرة.
ويُضاف إلى ذلك أنّ توماس كيد يُرجَّح أنّه ألَّف مسرحية عن هاملت في أواخر ثمانينيات القرن السادس عشر، غير أنّ مخطوطتها لم تصلنا، وبقي وجودها في نطاق الترجيح التاريخي لا أكثر.
وفضلًا عن المأساة الإسبانية وعن مخطوطة هاملت المفترضة، فإنّ الجذور السردية الأقدم للقصة تعود إلى المؤرخ الدنماركي ساكسو غراماتيكوس، الذي أورد حكاية أمير الدنمارك في عمله الشهير" تاريخ الدنمارك"، وهو ما يضع مسرحية هاملت في سياق اقتباس سردي وأدبي سابق، ويؤكّد أنّ مادتها الحكائية سبقت شكسبير بزمن طويل، قبل أن يعيد صياغتها دراميًا وفق رؤيته الخاصة.
الحياة الشخصية لشكسبير يكتنفها قدرٌ كبير من الغموض، ولا تتوافر عنها مُعطيات تفصيلية موثوقة.
وعمومًا، قدّم المسرح الإليزابيثي نتاجًا دراميًا يتسم بدرجة ملحوظة من التشابه، إذ شكّلت تراجيديات الانتقام النمط الغالب في تلك المرحلة.
فقد انشغل كُتّاب مثل شكسبير، وكريستوفر مارلو، وبن جونسون، وجون ويبستر، وتوماس ميدلتون، وغيرهم، بموضوعات وأفكار متقاربة، حتى إنّ الأساليب الدرامية تكاد تكون ذاتها من حيث البناء وتصاعد الصراع وتوظيف العنف والبعد الأخلاقي، فكُلها تتكرّر عبر نصوصهم.
ومن ثمّ يمكن القول إنّ السمات الجوهرية للتراجيديا الإليزابيثية تتبدّى بدرجات متفاوتة في معظم أعمالهم التراجيدية، بما يعكس انخراطهم المشترك في أفق جمالي وثقافي واحد.
وخلاصة القول، إنّ الفيلم يظل جميلًا ومُمتعًا من الناحية الفنية، غير أنّه لا يتجاوز كونه عملًا ترفيهيًا في المقام الأول، ولا يصحّ اعتباره استعراضًا لسيرة ذاتية مؤرّخة وموثّقة.
كما أنّ فكرة ربط مسرحية هاملت بموت ابن شكسبير هامنت، لا تعدو كونها طرحًا نقديًا حديثًا، يفتقر إلى السند التاريخي الحاسم، ويقوم أساسًا على تأويل تخييلي أكثر منه على معطيات مثبتة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك