في المناطق الشعبية، لا يُقاس اقتراب شهر رمضان بعدد الأيام المتبقية في التقويم، بل بعدد اللمبات التي تُضاء، وقطع الزينة التي تتدلّى بين الشرفات، وضحكات الأطفال وهم يجرّون السلالم الخشبية من بيت إلى آخر.
قبل أن يُعلن الهلال رسميًا، يكون الشارع قد أعلن استعداده بطريقته الخاصة.
وفي عزبة خضر التابعة لدائرة ثاني المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، يتحول الانتظار إلى عمل، والعمل إلى طقس جماعي يتكرر منذ 3 عقود، يقوده أسامة سالم، 59 عامًا، الذي اعتاد أن يجعل من زينة رمضان مشروعًا سنويًا يجمع الأهالي حول هدف واحد «الشارع يفرح».
الزينة الشعبية في استقبال الشهر الكريم.
يحكي أسامة، وهو يتابع تفاصيل التحضيرات: «من 30 سنة وإحنا متعودين نزين الشوارع بزينة رمضان، بنلمّ الأطفال والشباب، وكل صاحب محل يتبرع بجزء، ونجهز الزينة سوا، وبتكون فرحة كبيرة للكبار قبل الصغار».
قبل رمضان بنحو عشرين يومًا، تتبدل ملامح الشارع تدريجيًا، الجلسات المسائية تتحول إلى ورش عمل مفتوحة، والأرصفة تصبح مساحات للقصّ والتجهيز والفرز: «كنا زمان بنشتري خيط ونجيب كتب قديمة ونقعد نقطع ونشكل زينة رمضان بإيدينا.
كنا بنعمل كل حاجة بنفسنا»، أما اليوم فتغيّرت الخامات، وظهرت الزينة البلاستيكية الجاهزة، وصارت العملية أسهل وأسرع، لكن روح المشاركة لم تتبدل على وصف «أسامة»: «الشارع كله بيحط بصمته، اللي يتبرع بفلوس، واللي يطلع يعلّق الزينة، واللي يعمل كباية شاي أو عصير يهون بيها على الشباب تعب الساعات الطويلة، كله بيشارك على قد ما يقدر، عشان الفرحة تكمل».
وسط هذا المشهد، يبرز اسم محمد جعفر، 27 عامًا، أحد أبناء العزبة، الذي أصبح عنصرًا أساسيًا في هذا العمل السنوي، فهو يتولى شراء الخامات، وحساب التكاليف، والإشراف على التنفيذ، ويتحرك بين المحال كمن يدير مشروعًا صغيرًا، لكنه في الحقيقة يدير مساحة من الفرح.
فرحة تسيطر على الشوارع احتفالا بشهر رمضان.
هذا العام، أضاف محمد لمسة خاصة؛ هلال كبير مصنوع من الحديد، بتكلفة تقارب 750 جنيهًا، سيُعلّق في مدخل الشارع ليكون علامة مميزة لرمضان 2026، أما تكلفة تزيين الشارع بالكامل فتصل إلى نحو 5 آلاف جنيه، يجمعها الأهالي بتبرعات بسيطة، لكنها ثقيلة في معناها: «كل جنيه بيتدفع هنا هو سهم في الفرحة، وكل لمبة بتنوّر كأنها بتقول إن روح الجدعنة والمشاركة لسه مالية الشارع وبتكبر من سنة للتانية».
المبادرة لم تعد حكرًا على عزبة خضر، فشوارع أخرى بدأت تسأل عن التفاصيل، وتستفسر عن طريقة التنظيم، وبعضها شرع بالفعل في تقليد الفكرة.
على بعد مئات الكيلومترات شمالًا، وتحديدًا في منطقة المنشية بالإسكندرية، يتكرر المشهد بروح مختلفة، فلا تُعلّق الزينة فقط، بل تُباع أيضًا.
وسط زحام الباعة وروائح البحر المختلطة بضجيج الشوارع القديمة، يقف عم إبراهيم أمام بضاعته، تتدلّى حوله ألوان رمضان، تتراقص مع الهواء، بينما يحتفظ هو بابتسامة هادئة لا تفارقه.
منذ 19 عامًا، اختار أن تكون زينة رمضان مهنته، بين يديه تتحول لفافات البلاستيك الملوّن إلى سلاسل فرح: «ببيع متر الزينة بجنيه ونصف، وأحيانًا أقل من غيره»، وحين يُسأل عن سر السعر، يبتسم قائلًا: «المهم الناس تبقى فرحانة».
إلى جواره تقف زوجته، شريكة عمره منذ 34 عامًا، تشاركه البيع وترتيب البضاعة، وفي شوارع المنشية تدخل زينة عم إبراهيم بيوتًا بسيطة، لكنها تغيّر ملامحها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك