إيلاف - المبادرة الأوكرانية لإنهاء الحرب: زيلينسكي يقترح قمة مباشرة مع بوتين والاتحاد الأوروبي يرحب قناة الشرق للأخبار - طهران تتحدث عن ضغوط أميركية لقبول الشروط وعن بنود غامضة! وكالة شينخوا الصينية - المرشد الأعلى الإيراني يوافق على العفو أو تخفيف الأحكام عن أكثر من ألفي مدان بمناسبة عيد الغدير روسيا اليوم - أغرب أسماء المواليد في تركيا قناة الجزيرة مباشر - رئيس البرلمان اللبناني يوافق على انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني بالتوازي مع انسحاب الاحتلال العربية نت - ليست أسرع ولا أكبر .. جيل جديد من الباور بانك يراهن على بطاريات أكثر أمانًا قناه الحدث - طلقات تحذيرية إيرانية لمدمرات أميركية بخليج عُمان.. ولا تأكيد من واشنطن Euronews عــربي - كيف حصل عشرات المشجعين على تذاكر مجانية لمونديال 2026؟ الدوري الإيطالي - Inhabiting the Game | Champions of #MadeinItaly with Adrien Rabiot قناة الغد - زيارة شي إلى بيونغ يانغ.. رسائل نفوذ وتوازنات إقليمية
عامة

سرقةُ أنيابِ الكلب وهو ينبح

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 3 أشهر
1

ليس النباح دائمًا علامة قوّة. ينبح الكلب، حسب الحكمة الشعبيّة، خوفاً على نفسه تحديداً. النباحُ ردّة فعلٍ عصبيّة على خطرٍ محتمل. إعلانُ هشاشة قبل أن يكون استعراض شراسة. لذلك كان القدامى لا يطمئنّون إلى...

ملخص مرصد
قضية جيفري إبستين تكشف عن آلية عمل المؤسسات الرسمية في التعامل مع الفضائح، حيث يتم فصل الصوت عن الفعل وتحويل الغضب إلى ضجيج بلا نتيجة. النظام لا يقمع الكلام بل يشجعه بشرط أن يكون بلا أنياب، مما يجعل العدالة مجرد وعد مؤجل والسياسة سرقة لأنياب الكلب وهو ينبح.
  • المؤسسات تحول الفضائح إلى ضجيج بلا نتيجة بدلاً من تحقيق العدالة
  • الإعلام يحول التحقيقات إلى أحداث موسمية دون تراكم أو تأثير حقيقي
  • النظام يشجع التعبير بشرط أن يكون بلا تأثير سياسي أو اجتماعي
من: المؤسسات الرسمية والإعلام والنظام السياسي

ليس النباح دائمًا علامة قوّة.

ينبح الكلب، حسب الحكمة الشعبيّة، خوفاً على نفسه تحديداً.

النباحُ ردّة فعلٍ عصبيّة على خطرٍ محتمل.

إعلانُ هشاشة قبل أن يكون استعراض شراسة.

لذلك كان القدامى لا يطمئنّون إلى الكلاب كثيرة النباح، قائلين بيقين المجرّب: " النبّاح لا يعضّ".

لم يكن مقصدهم نباحَ ديوجين السينوبيّ، طبعاً، بل الزعيق الذي يملأ الأفق ولا يُخيف ظالمًا.

غير أنّ المأساة تبدأ حين يتحوّل النباح إلى بديلٍ عن العضّ، وحين يُفصل الصوت عن القدرة.

في تلك المنطقة الرماديّة بالضبط، يمكن قراءة قضيّة جيفري إبستين، لا بوصفها فضيحة أخلاقيّة، بل باعتبارها نموذجاً مكتملاً لعالمٍ يتقن سرقة الأنياب وهو يرفع مستوى الضجيج.

ما الذي حدث؟ المال في كانيباليّته الصفيقة.

الذكوريّة في بشاعتها العارية.

الأنوثة في هوانها الفظيع.

لقد كُشِف كلُّ شيء تقريبًا، باستثناء ما ينبغي أن يُكشف: أسرار تحويل التسلّط إلى نخاسة، ومفاتيح شبكة القوّة التي تجعل من رجلٍ واحد عقدةَ تقاطُعِ السياسة والمال والسلاح والمعلومات والإعلام.

لقد نبح العالم طويلاً من حول إبستين، مثلما نبح من حول البريطاني جيمي سافيل، لكنّه لم يعضّ حقًّا.

وهذا ليس فشلاً بل آليّة عمل: تُترك الكلمات حيّةً بما يكفي كي لا يبدو المجتمع صامتاً، لكن يُنزع منها" عقارُها" كما تُنزع مادّة الكافيين من القهوة.

هكذا يُولَد عالمُ النباح المُعقَّم: عالم يشجّع الضجيج، يكافئه، يصنّفه، يمنحه منصّات وجوائز ومواسم، شرط أن يكون بلا أنياب.

يصعُب على مخيّلة أعتى السينمائيّين تصوُّرُ الجرائم التي ارتكبت في قصر إبستين وجزيرته.

لكنّ الأصعب إدراك الطريقة التي جرى بها امتصاص الصدمة.

فبدلاً من تحويل الفضيحة إلى سؤال جذريّ عن طبيعة النخب، جرى اختزالها في شخصٍ واحد: المنحرف، الوحش، الشاذّ.

هكذا تعمل المؤسّسة الخبيثة: تُفرغ الغضب من قدرته عبر توجيهه نحو أكباش فداء.

تتيح" للمتابعين" أن ينبحوا من حول" جسد الجريمة" لا أن يتباحثوا في البنية التي أنتجته.

أمّا مسألة" الوفاة داخل السجن" فهي قصة أخرى يبلغ من حولها النباح ذروته: انتحار أم تصفية؟ سؤالٌ نموذجيّ لإدامة الضجيج بلا نتيجة.

نظريّات لا تنتهي.

صور كاميرات معطّلة.

حرّاس نائمون.

لجان تحقيق.

كلّ ذلك يغذّى ماكينة الكلام فيما يظلّ السؤال المركزي بلا أنياب: من كان يخاف من محاكمته؟ من كان يُضطرّ إلى الصمت لو تكلّم؟ يؤدّي النباح هنا وظيفته كاملة: تحويل الفعل المحتمل إلى لغزٍ ترفيهيّ.

تعلّمت المؤسّسة الرسميّة من هوامشها وأصبحت تعمل بواسطتها.

لقد أدركت أنّ الخطر ليس في الكلام بل في الكلام الذي يقود إلى فعل.

لذلك ما انفكّت تُشجّع على الإفراط في القول الذي يناسبها.

تُغرق الفضاء العام بالتعليقات الجوفاء، وتُحوّل الحقيقة إلى سراب.

في قضيّة إبستين لم تسع المؤسّسة إلى إخفاء الحقيقة، بل عَرضتها بكثافة حدّ إغماضها، حدّ تجريدها من أنيابها.

والأخطر أنّ هذه الآليّة لا تعمل من فوق فقط، بل من داخل اللغة نفسها.

تكرّرت كلمات مثل" الشفافيّة"، " المحاسبة"، " دولة القانون"، حدّ إفراغها من كلّ معنى.

لكنّ التكرار هنا لا يكون تأكيدًا، بل تبديد وتفنيد.

حين تُقال الكلمات بلا معنى، تتحوّل إلى مخدّر لغويّ.

وكما قال أورويل" ليست المشكلة في الكذب، بل في جعل الصدق بلا جدوى".

في قضيّة إبستين، انتُزعت الأنياب أيضاً من الإعلام.

فبدل أن يكون التحقيق مسارًا تراكميّاً هو ذا حدثٌ موسميّ: " ملفٌّ جديد"، " اسمٌ جديد"، ثم انتقالٌ سريع إلى ملفّ آخر.

الضجيج لا يُراكم بل يُبدّد.

هكذا يتحوّل الصحافيُّ الغاضب إلى مؤدٍّ لدورٍ متوقّع، والفضيحةُ إلى فقرة، والعدالةُ إلى وعدٍ مؤجّل.

حتى الجمهور لا يخرج سالمًا.

يُمنح حقّ النباح: الغضب، السخرية، المشاركة، إعادة النشر.

لكنّه يُحرَم من القدرة على خلق كُلفَةٍ سياسيّة حقيقيّة.

هنا تتحقّق المعادلة المثاليّة لحرية التعبير من وجهة نظر المؤسّسة: تعبير بلا تأثير.

وليست قضيّة إبستين استثناءً، بل هي مثال نموذجيّ على عالمٍ لم يعد يخشى الفضيحة، لأنّه تعلّم كيف يستثمرها.

عالمٌ لا يقمع الصوت بل يفصله عن الفعل.

لا يُسكت الكلاب بل يربّيها على النباح داخل قفصٍ مريح.

وفي هذا القفص، يصبح السؤالُ الأخلاقيّ زينةً قديمة، والعدالةُ سرديّة، والسياسةُ سرقةً لأنياب الكلب وهو ينبح.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك