لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت إلى الفضاء العام الجديد الذي يُصنع فيه الرأي العام المصري، وتُبنى فيه القناعات، وتُهدم من خلاله الثوابت، ليبقى الجميع أمام تحول جذري في بنية المجتمع، يمكن رصده من خلال الانفجار المعرفي والتزييف العميق، وأيضاً التواصل المجتمعي، كما أسهمت المنصات في كسر احتكار المعلومة.
الجمهور يعاني من تخمة المعلومات التي تؤدي أحياناً إلى تزييف الوعي.
بحسب دراسة بعنوان «إدراك الجمهور المصري لمخاطر التزييف العميق على مواقع التواصل الاجتماعي» بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية للدكتورة سارة مراد، فإن الجمهور يعاني من تخمة المعلومات التي تؤدي أحياناً إلى تزييف الوعي بدلاً من إنارته، خاصة مع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق التي تجعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والشائعة، كما أن المنصات لا تعرض الحقيقة كاملة، بل تعرض ما نحب أن نراه، مما يحبس المستخدم داخل فقاعات ترشيح تمنعه من قبول الرأي الآخر، وهو ما يهدد التعددية الثقافية.
وذكرت الدراسة أنه على مستوى التواصل الشخصي، فإن المجتمع يعيش في مفارقة غريبة؛ لتؤكد أن المجتمع أصبح الآن أكثر اتصالاً من أي وقت مضى، فتم استبدال لغة الجسد ونبرة الصوت بـ«إيموجي» ونصوص صامتة، مما أفقد التواصل إنسانيته وعمقه العاطفي، كما أصبحت حياة المواطن اليومية محكومة برغبة التوثيق لا الاستمتاع، حيث يسعى الفرد لرسم صورة مثالية لحياته لجني «الإعجابات»، مما خلق فجوة بين الذات الواقعية والذات الرقمية، وزاد من معدلات الاكتئاب والقلق الاجتماعي.
تاريخياً، كان المجتمع المصري يقوم على روابط «الجيرة» والمواجهة المباشرة في المقاهي والمنازل.
اليوم، انتقل الثقل الاجتماعي إلى المجموعات الافتراضية، وبحسب الدراسة، ظهر الآن ما يُسمى المجتمعات الموازية «جروبات الماميز»، ومجموعات الأحياء السكنية، التي تلعب دوراً رقابياً وخدمياً قوياً، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى منصات لنشر الذعر أو التنمر الجماعي، وبينما كانت القضايا القومية تجمع المجتمع أمام شاشة واحدة، أكدت الدراسة على تشتت الاهتمامات؛ فكل فئة تعيش في عالمها الخاص، مما يضعف النسيج الاجتماعي الموحد.
ورصدت الدراسة مدى إدراك الجمهور المصري لتهديدات التزييف العميق على مواقع التواصل الاجتماعي وعلاقته باستخدامهم الآمن لتلك المواقع، وتم إجراؤها بالاعتماد على عينة عشوائية طبقية حجمها 1000 من مستخدمي الهاتف المحمول في الفئة العمرية 15 سنة فأكثر، في المحافظات والبيئة السكنية «ريف وحضر».
أظهرت نتائج التحليل الإحصائي أن أكثر من نصف المستجيبين لديهم معرفة مسبقة بمفهوم التزييف العميق، في حين أن نسبة غير قليلة لم يسبق لها التعرف على هذا المصطلح، وبيّنت النتائج أن الغالبية العظمى من المشاركين لا تمتلك معرفة بالتطبيقات المستخدمة في تركيب الصور أو مقاطع الفيديو، بينما جاءت فئة من لا يتذكرون أسماء هذه التطبيقات بفارق واضح، في حين اقتصر استخدام بعض التطبيقات المتخصصة في التزييف العميق على عدد محدود جداً من المستجيبين.
وفيما يتعلق بالقدرة على اكتشاف التزييف العميق، كشفت نتائج الدراسة أن أغلب أفراد العينة لا يمتلكون القدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيّف، بينما أشار عدد محدود إلى قدرتهم على اكتشاف التزييف، في حين أفادت فئة أخرى بأنها قد تتمكن من اكتشافه في بعض الأحيان فقط.
كما أوضحت النتائج أن معظم المستجيبين لم يتعرضوا بشكل مباشر لأي نوع من أنواع التزييف العميق، في حين أفادت قلة منهم بتعرض صورهم الشخصية للاستخدام في سياقات أخرى، بينما أشار عدد أقل إلى استغلال أصواتهم في مقاطع فيديو دون علمهم، وعلى مستوى مصادر المعرفة بمفهوم تزييف الصور والفيديوهات، جاءت مواقع التواصل الاجتماعي في مقدمة هذه المصادر، تلتها دائرة الأهل والأصدقاء، ثم وسائل الإعلام التقليدية مثل التليفزيون والراديو.
أبرز المخاطر الناتجة عن تزييف الصور والفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي.
ورصد التقرير أبرز المخاطر الناتجة عن تزييف الصور والفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصدّر تشويه سمعة الأفراد والرموز المجتمعية قائمة هذه المخاطر، يليه استخدام مقاطع مزيفة لأغراض الابتزاز، ثم تهديد الأفراد للقيام بأعمال غير مشروعة أو مخالفة للآداب العامة، إضافة إلى انتحال الشخصية.
في المقابل، جاءت مخاطر فقدان الثقة في الأخبار المتداولة على مواقع التواصل في مراتب متأخرة، كما أشار عدد محدود من المستجيبين إلى عدم معرفتهم بهذه المخاطر.
وفيما يتعلق بإجراءات الحماية من مخاطر التزييف العميق، أظهرت النتائج أن تجنب نشر الصور ومقاطع الفيديو الشخصية والعائلية على مواقع التواصل الاجتماعي يُعد الإجراء الأكثر شيوعاً بين المستجيبين، يليه تفعيل إعدادات الخصوصية وقفل الحسابات، ثم الحذر من قبول طلبات الصداقة من أشخاص غير معروفين، وأخيراً تجنب الدخول على الروابط مجهولة المصدر.
الأبعاد الاجتماعية لاستخدام تطبيق التيك توك في المجتمع المصري.
دراسة أخرى بالمركز بعنوان «الأبعاد الاجتماعية لاستخدام تطبيق التيك توك في المجتمع المصري»، أكدت أن مواقع التواصل الاجتماعي بصفة عامة وتطبيق التيك توك تحديداً أصبح لها تأثير كبير على الفعل والسلوك الاجتماعي، كما أحدثت تلك التطبيقات نتائج عميقة وتأثيرات غير متوقعة من حيث قدرتها على التأثير في بنية ونمط شبكة العلاقات الاجتماعية، ما أفرز بعض السلبيات والمخاطر التي يجب الانتباه إليها، خاصة لدى الفئات الاجتماعية الصغيرة كالأطفال والمراهقين والشباب الذين يمثلون الشريحة الأكبر في المجتمع، الأمر الذي يتطلب الحاجة إلى المزيد من الجهود لتثقيف المجتمع بشكل عام وهذه الفئات تحديداً حول الآثار السلبية، والتوعية بشأن خطورة الدخول والانغماس بعالم افتراضي يفتقر إلى الصدق والموضوعية في كثير من الأحيان.
وذكرت الدراسة أن تطبيق «التيك توك» من التطبيقات التي برزت مع موجة الويب الثانية، تلك الموجة التي سمحت للأفراد أن يؤسسوا لأنفسهم مواقع، ويعبروا عن فرديتهم ومعارفهم وثقافتهم الخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقد ظهرت الكثير من التطبيقات خلال تلك الموجة، وأبرزها «التيك توك» الذي لاقى رواجاً كبيراً على مستوى العالم، واحتل مكانته بين التطبيقات الأخرى في فترة قصيرة، حيث يعتمد التطبيق بالأساس على الفيديو الصغير الذي يتراوح بين ثلاث ثوان إلى ثلاث دقائق، وقد لاقى هذا التطبيق اهتماماً من الباحثين بدراسة تفاعلاته، والفرص التي يمنحها للمستخدمين والتداعيات المترتبة عليه.
ونوهت الدراسة إلى أن تطبيق «التيك توك» ومن بعده «الهاوس كلوب» الأكثر انتشاراً وشيوعاً، وقد ارتبط ذلك بالعديد من الأسباب: أولها أن هذه التطبيقات تعتمد بالأساس على ثقافة الصورة، فالصور الرقمية التي تعتمد على الصوت والفيديو تتيح فرصاً قريبة من التفاعلات الواقعية، وهو الأمر الذي جعل العديد من الباحثين يتجنبون مصطلح المجتمع الافتراضي في ظل التفاعلات التي أصبحت أقرب إلى الواقعية، وثانيها أن هذه التفاعلات تتفق مع ثقافة الشباب التي تعتمد على السرعة، فالتطبيقات الجديدة لا تستهلك الوقت في الكتابة على لوحة المفاتيح ولكنها تعتمد على الكاميرا والتعبيرات السريعة التي لا تستهلك الوقت أو الجهد، وثالثها مرتبط بالبحث عن الشهرة وثقافة التريند التي باتت تشكل هدفاً للعديد من المتفاعلين على ساحة التطبيقات الرقمية الجديدة، ورابعها مرتبط بالثقافة السيبرانية ذاتها، حيث إنها تعتمد بالأساس على الصور الرقمية وهو ما توفره هذه التطبيقات بشكل أساسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك