لم يعد ارتفاع أسعار العطور مجرد موجة تضخم داخل قطاع الجمال، بل صار مؤشرًا على انتقال العطر من منتج يومي إلى ترفّ يمكن تبريره، ثم إلى هوية شخصية، ثم إلى ملاذ عاطفي.
وداخل واجهات المتاجر الفاخرة بات عرض قنينات عطر بـ 300 ثم 600 يورو جزءا من المشهد، بينما تتعامل العلامات مع العطر باعتباره امتدادا للهيبة أكثر مما هو سلعة تُقاس فقط بتكلفة موادها الكيميائية.
وحسب تقرير الشركة العالمية المتخصصة في أبحاث السوق والاستشارات الإستراتيجية، " موردور إنتليجنس" الصادر في 12 يناير/كانون الثاني الماضي، فإن سوق العطور العالمي يُقدَّر بنحو 82.
38 مليار دولار في 2026، مع توقعات ببلوغه 121.
26 مليار دولار بحلول 2031.
ويشير التقرير نفسه إلى أن هذا المسار يعكس معدل نمو سنوي مركب قدره 8.
04% خلال الفترة 2026-2031، ما يؤكد أن السوق يتوسع بوتيرة قوية تتيح للشركات رفع الأسعار داخل فئة تتجه صعودا من حيث القيمة.
ونقلت قناة" بي إف إم" الفرنسية، في 8 فبراير/شباط الجاري، أن أسعار ثلاثة عطور جماهيرية شهيرة صعدت خلال ست سنوات بنسب جنونية تعكس إهتماما غير مسبوق، فعطر" شانيل رقم 5" (Chanel N°5) ارتفع سعره بنسبة 32%، وعطر" مس ديور" (Miss Dior) ارتفع بنسبة 29%، وعطر" لا في إي بل" (La Vie est Belle) الذي تتميز به دار المستحضرات والتجميل والعطور الفاخرة الفرنسية، " لانكوم" ارتفع بنسبة 20%.
هذه الأرقام كشفت أن الزيادات لم تعد محصورة داخل الزوايا الضيقة التي يباع فيها العطر الفاخر أو ما يعرف في لغة العطور بـ" النيش"، بل امتدت إلى أيقونات السوق التي كانت تُعتبر مستقرة نسبيا في تسعيرها.
وتفسر القفزة في أسعار العطور بقوة الطلب في سوق يزداد نضجا ثم يتسع.
وفي هذا الصدد، أشارت الشركة المختصة في أبحاث السوق" سيركانا"، في تقريرها الصادر في 11 فبراير/شباط الجاري، إلى أن مبيعات الجمال الفاخرة داخل الولايات المتحدة في العام الماضي، ارتفعت إلى 36 مليار دولار بنمو 4%، كما ارتفع متوسط سعر البيع 1% خلال العام نفسه.
مما يعني أن السوق يتقدم في القيمة، إضافة إلى أنه يتقبل ارتفاع السعر دون انهيار في الاستهلاك.
في السياق نفسه، قالت المجلة التجارية الأميركية المتخصصة في صناعة الأزياء، " وومنز وير ديلي" (WWD)، في 10 فبراير/شباط، إن بيانات نقاط البيع لدى" سيركانا" تُظهر استمرار أداء إيجابي لسوق الجمال في 2025، مع حضور قوي لفئات تقود القيمة حين ترتفع الأسعار.
وتفيد قراءة هذا المؤشر بأن العطر لم يعد إكسسوارا داخل الجمال، بل بات أداة نمو حقيقية تجعل العلامات أكثر جرأة في التسعير، خصوصا حين تُقدم الرائحة في إطار رفاهي متكامل.
وداخل جانب العرض، لم تعد المشكلة في إطلاق المزيد من علامات العطور فقط، بل في إغراق السوق بالقصص ثم الإصدارات ثم مفردات التميّز.
وفي هذا السياق نقلت صحيفة" لوموند" الفرنسية في ديسمبر/كانون الأول الماضي أن الصناعة أطلقت نحو 6000 عطر جديد خلال 2025.
وهو رقم يعكس سباقا على المساحة الذهنية قبل المساحة على الرف، من باب أن كل إطلاق يحتاج رواية، كما يحتاج هوية بصرية، ثم يحتاج حملة تجعل الزبون يشعر أنه يشتري تجربة لا رائحة فقط.
لهذا يرتفع السعر بعد رفع سقف التوقعات، ثم ترتفع تكلفة الظهور داخل سوق شديد الضجيج.
ويلعب كذلك عامل التنظيم دورا أقل وضوحا للمستهلك، لكنه شديد التأثير على التكلفة.
وبحسب لائحة المفوضية الأوروبية في يوليو/تموز 2023 عُدّلت قواعد وسم مسببات الحساسية العطرية ضمن تشريعات مستحضرات التجميل.
فضغط المواد الأولية أضاف طبقة أخرى، خصوصا مع اضطرابات المناخ ثم تذبذب المحاصيل في مناطق الزراعة العطرية.
مما نتج عنه ارتفاع العبء على المزارع ثم على المُستخلِص، ثم ينتقل إلى المُركّب، ليصل إلى المستهلك.
هذا المسار لا يعني دائما أن الجودة زادت، بل يعني أن الوصول إلى المدخلات صار أكثر تعقيدا ثم أعلى كلفة.
وفي نقطة البيع، لا يساوي السعر النهائي تكلفة التركيبة فقط.
لأن جزءاً كبيراً يذهب إلى التغليف، ثم الهوية البصرية، والإطلاق، ثم التوزيع.
كما أن المواسم والمناسبات تلعب دوار في التسعير.
ولهذا قالت شركة" سيركانا" في تقريرها الصادر في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025 إن العطور الفاخرة في الولايات المتحدة عادة ما تتجاوز 4 مليارات دولار في الربع الرابع.
حين يتحول الربع الأخير إلى" موسم عطور"، تتوسع الحملات وترتفع شهية العلامات لتثبيت أسعار أعلى تحت عنوان الهدية ثم الفخامة.
ارتفاع أسعار العطور بهذا المستوى يؤكد على أنها سلعة غير مرئية تعبر عن الشخصية وتجسد الأناقة وتعزف الموسيقى في شكل قطعة ملابس، فهي تجسد الفخامة وتعيد تشكيل الأناقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك