مع بدء العودة التدريجية لعدد من أعضاء الحكومة الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، فجّر المجلس الانتقالي الجنوبي موقفًا تصعيديًا بإعلانه “الرفض القاطع والمطلق” لوصول وزراء من خارج المحافظات الجنوبية إلى المدينة، واصفًا الخطوة بأنها “استفزاز سياسي”، وذلك في أعقاب ما شهدته شبوة وحضرموت من إجراءات قمعية بحق محتجين.
وأعلنت الهيئات التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي في عدن ولحج وأبين، في بيانات متزامنة مساء الاثنين، أن أي “محاولة لفرض واقع سياسي جديد بأسماء وأدوات من خارج المحافظات الجنوبية في العاصمة المؤقتة عدن ستُواجَه برفض شعبي ومؤسسي حازم”.
واعتبرت أن التعيينات الحكومية الأخيرة تمثل “إجراءات أحادية الجانب”، كرّست – وفق تعبيرها – سياسة التهميش والإقصاء، من خلال استبدال الوزراء الممثلين عن المجلس الانتقالي بشخصيات “لا تعكس تطلعات الجنوبيين ولا تنسجم مع خصوصيتهم السياسية”.
وفي بيان منفصل، شددت الهيئة التنفيذية للانتقالي في عدن على أن تجاوز التفويض الشعبي وإزاحة الكفاءات التي حظيت بغطاء سياسي جنوبي يُعدّان “نقضًا صريحًا لأسس الشراكة، وتحديًا صارخًا لمضامين الإعلان الدستوري” الصادر مطلع العام الجاري، مؤكدةً أن هذه القرارات لا تنسجم مع الواقعين السياسي والميداني في عدن، وتُعدّ “غير ملزمة”.
وطالب البيان قيادة المجلس الانتقالي، ممثلةً برئيسه عيدروس الزبيدي، باتخاذ موقف “سيادي حازم” يصون “المكتسبات الوطنية ويضع حدًا لسياسة الالتفاف على حقوق الجنوبيين في إدارة شؤونهم”.
وفي السياق ذاته، دعت قيادة المجلس في لحج إلى رفع مستوى الجاهزية الشعبية والتنظيمية للتصدي لأي خطوات تستهدف تقويض القضية الجنوبية، فيما حذّر فرع المجلس في أبين من تمرير “أجندات مناوئة”، مؤكدًا أن مرحلة الوصاية السياسية “قد طُويت إلى غير رجعة”.
وفي ظل اتساع نطاق ردود الأفعال المناهضة للتحركات السياسية الأخيرة، ذهبت القيادة العليا لـ”المقاومة الجنوبية” إلى ما هو أبعد من حضور بعض أعضاء الحكومة، معلنة رفضها لعودة رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى عدن.
وحمّلت، في بيان لها، الجهات الداعمة لهذه الخطوات “كامل المسؤولية عن أي تداعيات قد تنجم عن حالة الاحتقان الشعبي”، مؤكدةً أن “خيارات الرد كافة تظل مطروحة دفاعًا عن مكتسبات الثورة الجنوبية، في مواجهة محاولات إعادة إنتاج قوى النفوذ التي لفظها الجنوبيون”.
وعلى مدى الأسابيع الماضية، يشهد الجنوب موجة احتجاجات متزايدة تنديدًا بما يصفه المحتجون بـ”السياسات الإقصائية والالتفافية” التي يُتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي بممارستها تجاه القضية الجنوبية وممثلها السياسي.
ويعكس الخطاب الصادر عن قيادات الانتقالي توجّهًا نحو رفع سقف التعبئة الشعبية، بالتوازي مع تحذيرات من وصول شخصيات عسكرية وسياسية محسوبة على حزب التجمع للإصلاح إلى عدن، وهو ما تعتبره أوساط جنوبية “استفزازًا مباشرًا لإرادة الشارع”.
ويرى الباحث السياسي طه بافضل أن إصرار الحكومة على العمل من عدن، باعتبارها العاصمة المؤقتة، يضعها أمام ثلاثة مسارات محتملة، يتوقف نجاحها على طبيعة تعاطيها مع الشارع الجنوبي.
وقال بافضل إن أول هذه المسارات هو “التعايش الحذر”، حيث تواصل الحكومة أداء مهامها في بيئة متوترة وتحت ضغط شعبي، ما يفرض عليها اعتماد خطاب مهدئ وتحسين ملموس في الخدمات لاحتواء الغضب.
وأشار إلى أن المسار الثاني يتمثّل في “التصعيد الشعبي”، إذا ما تجاهلت الحكومة حساسية المرحلة، أو ظهرت بمظهر المتحدي لمطالب القوى الجنوبية، وهو ما قد يدفع نحو احتجاجات واسعة واحتكاكات ميدانية تعيد مشهد الاضطراب الأمني.
في المقابل، يطرح بافضل “التوافق المشروط” بوصفه الخيار الأكثر واقعية، والذي يمكن الوصول إليه عبر تفاهمات واضحة مع القوى الجنوبية وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، بشأن آلية العمل المشترك واحترام الثوابت الجنوبية، بما يسمح للحكومة بالعمل دون صدام مباشر مع الشارع.
وفيما يتعلق بآليات احتواء ردود الفعل الشعبية، يؤكد أن الاعتراف بالخصوصية الجنوبية، وتحسين الخدمات الأساسية، وفتح قنوات حوار مع القوى السياسية والاجتماعية، وتجنب المقاربة الأمنية الصلبة، تمثّل مفاتيح أساسية لخفض التوتر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك