عمان - في ظل التوسع المتسارع باستخدام التقنيات الرقمية بين الطلبة، لم يعد الوعي بمخاطر البرامج والمنصات الرقمية مسألة هامشية، بل أضحى ضرورة تربوية ملحة تفرض حضورها في السياسات التعليمية.
اضافة اعلان.
فالمناهج الدراسية والبيئة الصفية تمثلان خط الدفاع الأول في بناء ثقافة رقمية واعية، تمكّن الطالب من التمييز بين الاستخدام الآمن والمخاطر المرتبطة بالخصوصية والأمن المعلوماتي والتأثيرات السلوكية.
وفي هذا الإطار، يبرز دور المؤسسات التعليمية، وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم، في تطوير مناهج وأساليب تدريس تواكب التحولات الرقمية، بحيث تتحول الحصة الصفية إلى مساحة عملية لتعزيز التفكير النقدي والاستخدام الواعي للتكنولوجيا، بما يسهم بتحويل الوعي النظري إلى سلوك يومي راسخ يؤهل الطلبة للتفاعل الآمن مع العالم الرقمي.
وفي هذا النطاق، أكد خبراء في مجال التربية في أحاديثهم المنفصلة لـ" الغد" أن للمناهج الدراسية والبيئة الصفية دورا محوريا في رفع وعي الطلبة بمخاطر البرامج والمنصات الرقمية، معتقدين بأن المناهج الحالية ما تزال لا تعالج بصورة كافية قضية التعامل الواعي مع البرامج والمنصات الرقمية.
وبينوا أن دمج مفاهيم المواطنة الرقمية والسلامة الرقمية في المناهج بشكل تطبيقي، عبر دراسات حالة ونقاشات صفية مستندة إلى مواقف واقعية يعيشها الطلبة وأسرهم، يسهم في تحويل الوعي من معرفة عامة إلى مهارات تفكير نقدي تمكّن الطالب من التمييز بين المحتوى الآمن والمضلل، وتعزز قدرته على التحقق من المعلومات وحل المشكلات، بما يرسخ أخلاقيات الاستخدام والخصوصية ويصنع طالبا واعيا رقميا لا مجرد مستهلك للمحتوى.
وأكدوا أن التربية في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على نقل المعرفة الأكاديمية، بل أصبحت مهمة مجتمعية معقدة تتطلب تكامل أدوار المعلم والمناهج والبيئة الصفية لإعداد جيل قادر على مواجهة التحديات الرقمية بوعي ومسؤولية.
وفي هذا الإطار، أكد الخبير التربوي فيصل تايه أن التربية في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على نقل المعرفة الأكاديمية، بل أصبحت مهمة مجتمعية معقدة تتطلب تكامل أدوار المعلم والمناهج والبيئة الصفية لإعداد جيل قادر على مواجهة التحديات الرقمية بوعي ومسؤولية.
وأوضح أن مخاطر البرامج والتطبيقات الرقمية لم تعد مسألة نظرية، بل واقعا ملموسا يظهر في انتشار التطبيقات غير الموثوقة، والإفراط في استخدام الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، وما يرافق ذلك من تأثيرات على سلوك الطلبة ومشاعرهم وقدرتهم على التركيز والتفكير النقدي.
وبين أن المناهج التعليمية تؤدي دورا أساسيا في بناء الوعي الرقمي عندما تدمج التثقيف الرقمي بصورة منهجية داخل المحتوى التعليمي، عبر وحدات تتناول أخلاقيات التكنولوجيا والأمن السيبراني ومخاطر الاستخدام غير الآمن.
وقال إن هذه المعرفة لا تحقق أثرها الكامل إلا إذا قُدِّمت بأساليب تعليمية تفاعلية تحاكي الواقع، مثل دراسات الحالة والمشروعات الجماعية والألعاب التعليمية التي تدرب الطلبة على اتخاذ قرارات رقمية آمنة داخل بيئة تعليمية محمية.
وأشار إلى أن البيئة الصفية تمثل الإطار العملي لتفعيل هذا الوعي، لاسيما عندما تشجع على النقاش المفتوح حول المواقف الرقمية اليومية وتبادل الخبرات وتحليلها نقديا.
كما شدد على أهمية دور المعلم بوصفه نموذجا للسلوك الرقمي السليم، إذ يتعلم الطلبة من الممارسة والقدوة بقدر ما يتعلمون من المحتوى الدراسي، ما يجعل الصف مساحة لتعزيز مهارات التفكير النقدي واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية الرقمية.
وأضاف، إن البعد النفسي والاجتماعي لمخاطر البرامج الرقمية لا يقل أهمية عن الجانب التعليمي، في ظل ما قد يواجهه الطلبة من إدمان رقمي أو قلق أو عزلة اجتماعية نتيجة الإفراط في استخدام التكنولوجيا.
وأكد أن دور المناهج والتوجيه التربوي يتمثل في بناء وعي صحي يساعد الطلبة على ضبط استخدامهم للتكنولوجيا بما يخدم تعلمهم ونموهم الشخصي.
واعتبر أن التعليم الرقمي الواعي يمثل استثمارا طويل المدى، لأنه يهيئ الطلبة لمستقبل سريع التغير، ويُسهم في إعداد مواطن رقمي مسؤول قادر على حماية نفسه والآخرين والمشاركة الإيجابية في المجتمع.
وختم بالتأكيد على أن رفع وعي الطلبة بمخاطر البرامج الرقمية ضرورة تربوية وأخلاقية، وأن تكامل المناهج مع بيئة صفية داعمة يشكل أساس تجربة تعليمية متكاملة تجمع بين المعرفة والتطبيق والوعي النفسي والاجتماعي، بما يعكس التزاما حقيقيا ببناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
غياب منهج يناقش استخدام الإنترنت.
بدوره، أعرب الخبير التربوي محمد أبو عمارة عن اعتقاده بأن المناهج الحالية ما تزال لا تعالج بصورة كافية قضية التعامل الواعي مع البرامج والمنصات الرقمية، مشيرا إلى غياب منهج متسلسل وواضح يناقش استخدام الإنترنت ومخاطره بشكل شامل.
وأوضح أن ما يرد في بعض المواد الدراسية، كمنهاج اللغة العربية، يأتي بصورة محدودة ونظرية، ولم يعد كافيا في ظل ميل الطلبة إلى أساليب التعلم التفاعلية، مؤكدا أن الطرق التقليدية في التوعية لم تعد فاعلة كما في السابق.
وبيّن أن خطورة البرامج الرقمية تنعكس على جيل الشباب في جوانب متعددة، منها هدر الوقت والتأثيرات الصحية الناتجة عن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، إضافة إلى المحتوى الضار المرتبط ببعض الألعاب الإلكترونية مثل Roblox وBlue Whale Challenge، والتي ارتبطت بحوادث مؤسفة عالميا.
واقترح إعادة صياغة المناهج من قبل فرق تطوير المناهج بحيث تتضمن موضوعات متخصصة، سواء ضمن مواد قائمة أو عبر طرح مساق مستقل في التفكير الناقد، يدرّب الطلبة على التحقق من المعلومات وعدم قبولها بصورة تلقائية.
وأشار إلى تجربة الدنمارك التي حققت تقدما ملحوظا في مواجهة الأخبار الكاذبة عبر تدريس مهارات التفكير الناقد للطلبة، ما أسهم خلال سنوات قليلة في تعزيز قدرتهم على الرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق من صحة المعلومات.
وشدد على أن أي مناهج مقترحة يجب أن تكون عملية وتفاعلية لا تقتصر على الجانب النظري، بالتوازي مع أهمية تقنين الوقت الذي يقضيه الطلبة على الإنترنت، وتعزيز دور الإرشاد النفسي والتربوي في المدارس، وتنفيذ أنشطة لا صفية توعوية تشرف عليها الهيئات التدريسية وإدارات المدارس لرفع مستوى وعي الطلبة وكفاءتهم الرقمية.
دمج مفاهيم المواطنة الرقمية بشكل تطبيقي.
من جانبه، أكد الخبير التربوي عايش النوايسه، أن للمناهج الدراسية والبيئة الصفية دورا محوريا في رفع وعي الطلبة بمخاطر البرامج والمنصات الرقمية، مشددا على أن التأثير الحقيقي لا يتحقق عبر التحذير النظري فقط، بل عبر منهج دراسي واضح ومطبق، ومعلم متمكن ومدرب قادر على بناء هذا الوعي داخل بيئة صفية داعمة.
وأوضح، أن دمج مفاهيم المواطنة الرقمية والسلامة الرقمية في المناهج بشكل تطبيقي، عبر دراسات حالة ونقاشات صفية مستندة إلى مواقف واقعية يعيشها الطلبة وأسرهم، يسهم في تحويل الوعي من معرفة عامة إلى مهارات تفكير نقدي تمكّن الطالب من التمييز بين المحتوى الآمن والمضلل، وتعزز قدرته على التحقق من المعلومات وحل المشكلات، بما يرسخ أخلاقيات الاستخدام والخصوصية ويصنع طالبا واعيا رقميا لا مجرد مستهلك للمحتوى.
وتابع، أن البيئة الصفية الآمنة نفسيا تفتح المجال أمام الطلبة للحوار وعرض تجاربهم، بما في ذلك ما يتعلق بالمحتوى المزعج أو حالات الابتزاز الرقمي، دون خوف من اللوم أو العقاب، وهو ما يحوّل دور المعلم إلى صانع للوعي وميسِّر للنقاش، لا مجرد رقيب على استخدام التطبيقات.
وأشار إلى أهمية وجود سياسات مدرسية واضحة لاستخدام الهواتف، وتنفيذ أنشطة محاكاة لمواقف رقمية، واتفاقيات صفية للسلوك الرقمي، ومشاريع طلابية لتقييم المنصات من زاوية الأمان والخصوصية، بما يحول الوعي إلى ممارسة يومية.
وشدد على ضرورة تعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة والمجتمع، بالتعاون مع جهات وطنية ودولية مثل اليونيسف واليونسكو، إضافة إلى وزارة التربية والتعليم ووزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، مؤكدا أن تكامل المنهج القوي مع بيئة صفية آمنة ومعلم مؤهل يُحدث أثرا عميقا ومستداما في بناء جيل قادر على استخدام الأدوات الرقمية بأمان، وتجنب المخاطر مثل الابتزاز الإلكتروني أو الوصول إلى مواقع غير آمنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك