بدأ كولن ويلسون موسمه الأدبي بكتاب «اللامنتمي» عام 1975.
واستمر بالكتابة حتى عام 2004 وهو تاريخ صدور سيرته الذاتية، وكانت بعنوان «أحلام هادفة».
وخلال هذه الفترة مرت أوروبا والعالم بعدة أزمات ونزاعات.
يضاف إليها التنافس على الشرق الأوسط، إما لغاية استراتيجية في الدول الفقيرة، أو بدواعي السباق على النفط في الدول الغنية.
وفي كل الحالات لم يتورط كولن ويلسون بالسياسة على نحو مباشر، ولم يذكر في أي من كتبه كلمة واحدة عن الحرب الباردة وجدار برلين، وركز كل جهوده على التيار الوجودي الصاعد، وتأسيس ملامح وجودية جديدة.
وقد أوجزها بنقطتين، عبرت جزئيا عن مشكلة الفرد غير العادي في المجتمع، وأنها لم تربط وجودنا لا باللغة ولا العقل، ولكن بالتصور والعاطفة.
وترتب على ذلك اهتمامه بفكرة تحرير الوعي من الألم والشقاء، فهما في رأيه الحفرة التي سقط فيها سارتر وكامو لأن الأول استنزف نفسه بتجارب خلافية فاقمت من ألمه ووضعته أمام جدار مسدود، ولأن الثاني استسلم للعبث واللاجدوى.
بتعبير آخر اهتم بنقاط الضعف التي تعترض معنى الوجود الإنساني، كما ورد في «ما بعد اللامنتمي»، وليس بظواهر هذا الوجود، حتى إنه لم ينتبه لقضايا الحريات العامة والخاصة، ولا لمشاكل المجتمع المدني، وحصر نطاق عمله بالمكبوت في الوعي.
وبلغة أوضح فسر مشاكل الروح على أساس مادي.
والمادة في هذا السياق لا تشير إلى العقل أو الواقع، ولكنها تعبر عن غرائز النوع.
بمعنى أنها جزء مكمل لقانون وسلوك الطبيعة.
وبهذا السياق أكد مع هنري ميلر أن «الفرد الشاذ سيتطور إلى حالة طبيعية في حال فناء العالم القديم» (انظر: «اللامنتمي»).
ولذلك لا يمكن وضع أي معيار للعيب والخير العام، وعلى هذا الأساس نظر للروح في كتابه «تاريخ الطقوس» 1971 كأنها وعي آخر، وقوة دفع تؤثر في الواقع.
وفي ثلاثيته المعروفة «طقوس في الظلام» و»القفص الزجاجي» و»الشك»، حاول تبرئة الجاني من دم ضحيته، فالقاتل ينظف الضحية من الدنس، ويعفيها من تكرار الوقوع بالزلة والخطيئة.
وبهذا الشكل ينظر إلى «الشر على أنه أفضل تعبير عن الخير بعد أن فقد طريقه.
ويؤكد أن كلاهما مستويات مختلفة في وعي واحد»، ولذلك كانت الجريمة عنده تجربة إنسانية، يستعيد بها الإنسان الضائع أحاسيسه وحياته، وأصبح القتل بحثا عن معنى أسمى أو حالة وعي أعمق.
وفي الثلاثي نفسها يربط على نحو عضوي بين طقوس القتل والتستر (التعتيم والإظلام)، ويعتبر أنهما الضامن لدفن الرذيلة والخطيئة تحت ستار مزدوج: الظلام والدم.
ويلتقي بهذا الموقف مع رموز الرومانسية السوداء أمثال بودلير وروبرت لويس ستيفنسون.
فكلاهما يرسم خطا للهروب من رعب الموت، ليس بمواجهته – مثل الشخصيات الجهادية التي حملت السلاح – أمثال جون دوس باسوس وهمنغواي وجورج أورويل، ولا بالانحطاط في سلم التطور – مثل شخصيات كافكا في «المسخ» أو إيان ماك إيوان في «الصرصار» أو حتى بالقتل الرحيم لإيوان نفسه في «أمستردام»، ولكن من خلال شخصية الشرير الرومانسي أو العاطفي.
وهي شخصية انتقائية – وترى أنها مكلفة بمهمة نبيلة تتلخص برعاية النوع، وحمايته من أخطائه.
وترتب على ذلك ثلاث نتائج.
الأولى أن مجتمع كولن ولسون تنافسي، ولكن أبطاله وحوش رمية، لا تحارب، وأحيانا تغدر.
ويحدوها إحساس لا يقاوم بمعنى الوجود الإنساني، الذي يمكن الوصول إليه بالعقل – إذا وجد العقل طريقه كما قال في إحدى مقالاته (منشورة في كتابه «آلهة المتاهة»).
وهذه إشارة لوعي مؤجل بمشكلة الاستعمار وعقلية التابع، وتذكرني بــ»الغريب» لكامو، فالجريمة تحدث بالصدفة، لكن في طياتها مفهوم قسري لعدالة يطبقها الوافد على ابن البلد.
ويأتي في هذا السياق أيضا نموذج عزيز في «ممر إلى الهند» لفورستر.
فرغم الفارق بين الأساليب والأيديولوجيات، يبقى التابع تحت الوصاية، ويكون الوافد فوق الشبهات، ويعكس ذلك أزمة ضمير لا تزال تتفاقم في الغرب، وتعبر عن سجال ضمني بين العدالة على أساس دستوري، وفرضها بالإكراه وبالقوة العسكرية.
النتيجة الثانية أن القاضي والجاني شخص واحد، ونحن لا نعرف اسمه ولا صفاته، ويبقى بيننا وبينه ستار من الظلام، وكأنه إله آخر أو مندوب عنه.
ولا يمكننا أن نغفل تقاطع هذه الخواص مع المفهوم الرمزي للاستعمار وشركاته العابرة للجنسيات والأعراق كما فعل كونراد في «قلب الظلام».
حيث يؤسس لوعي طقوسي لاجئ أو مهاجر.
ومع أن شخصيات ولسون محلية لكنها تحمل أزمة النمط، وتعكس أعراض الانفصال الوجداني وقانون الكفاية – أو الإدارة الشاملة لتاريخ النوع.
الثالثة والأخيرة.
رغم تأكيد كولن ولسون أن الحب المادي يشكل مدخلا أساسيا لاكتشاف المعنى وإحباط العبث (كما قال حرفيا في «آلهة المتاهة»)، لكنه أفضل من كاتب دعارة، وأقل من كاتب رؤية.
فالبذاءة لا تعني الدعارة حكما، وإلا اعتبرنا عيون الأدب الشعبي مثل «ألف ليلة وليلة» من الأمثلة المحترمة عن هذا الأدب.
وغالبا ما أقارن كولن ولسون بفرانسواز ساغان.
فهي على شاكلته تحول العشق بواسطة الحواس إلى قضية وجودية تعكس قلق الإنسان في سبيل الرخاء، خلاف ما نجده لدى روائيات معاصرات من جيل الإصلاح – ومنهم وي هوي في «الزواج من بوذا»، وميان ميان في «كاندي»، وهما من صين ما بعد ماو.
لا أعتقد أن لدى مؤلف «اللامنتمي» قضية واضحة ليكافح من أجلها باستثناء لحظته – توأم دايزين هيدغر.
وبالتأكيد يخصصها لنصفه السفلي، ابتداء من المعدة وحتى أعضاء الإخصاب ـ لكنها منزوعة الدسم، ومعقمة من الهدف والوظيفة.
ولاسيما أنها تخترق وتفتح لكنها لا تُكاثر.
ويتناقض ذلك مع مبدأ البقاء، مع التأكيد على فكرة الإرادة.
وفي هذا المخاض الناقص يعيد كولون ولسون الاعتبار للمدينة، ويصورها بشكل فرج كبير يأسر أحلام الذكور، حتى تتحول إلى كناية غير تامة عن عصر اليقظة – نقيض النهضة وبداية الفتوحات.
وبعد ذلك يتجول في مدينته المفتوحة كأي جنرال منتصر، ويتغزل بما بذره فيها من خوف وإظلام وتخريب.
لكنه أيضا لا يخلو من لمسة ديفو في «روبنسن كروزو» مع فرق واحد أنه إقطاعي متأخر في مجتمع من دون مظاهر ولا أخلاق، في حين أن كروزو رأسمالي مبكر.
وعلى أساس هذا الفرق أعتبر أن روايات ولسون إحيائية، وتستهلك مصادر الثقافة الجاهزة (أدب القلاع والقبور على نحو خاص)، بعكس إنسان كروزو التكويني والمنشئ.
فقد كان يبني معارفه في أرض مجهولة، ويسعى لاحتكار هذه المعارف شأنه شأن إمبرياليات القرنين الثامن والتاسع عشر.
وكما قال باتريك باريندير: يمثل كروزو روح التوسع الكولونيالي، وجزيرته رمز مصغر للإمبراطورية، وفضاء فرضت عليه أوروبا فلسفتها في نظام العمل وحقوق التملك.
على الضد من كولن ولسون الراعي الأخير لمجتمع رأسمالي ظالم ومن دون أي معنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك