لطالما كان المسحراتي عنوانًا لليالي شهر رمضان المبارك، الزائر الليلي الذي يكسر صمت الشوارع قبل بزوغ الفجر، يضرب على طبلته، وصوته ينسج بين الأناشيد الدينية والدعاء، ليوقظ النائمين لمائدة السحور استعدادًا ليوم جديد من الصيام، فهي مهنة الثلاثين يومًا، لكن أثرها في الوجدان يمتد لعام كامل.
تبدأ الحكاية من عصر النبوة، فكان النداء للسحور يُرفع بصوت الصحابيين بلال بن رباح الذي يرفع الأذان الأول لينبه الناس لبدء السحور، بينما يتولى فيما بعد عبدالله بن أم مكتوم الأذان الثاني معلنًا وقت الإمساك، ومع تعاقب العصور، وتحديدًا في العصرين العباسي والفاطمي، بدأت ملامح المسحراتي التقليدية التي نعرفها اليوم، ففي قلب القاهرة الفاطمية، اتخذت المهنة شكلًا مختلفًا، تحديدًا في عهد السلطان الحاكم بأمر الله، إذ أمر الناس بالنوم مبكرًا بعد التراويح، فكان جنوده يطوفون البيوت يطرقون الأبواب لإيقاظهم، ولكن ومع الوقت، استبدل الجنود طرق الأبواب باستخدام الطبلة والدف، لينتشر النداء بالحارات بضجيج جميل يوقظ الجميع دفعة واحدة، قبل أن تنتشر هذه المهنة في أرجاء العالم العربي، وتتلون بلهجات الشعوب وعاداتهم، لكن ظلت في مصر مرتبطة بعبارة «اصحى يا نايم وحد الدايم.
اصحى يا نايم وحد الله»، وهي كلمات تلامس الروح وتدعو للذكر.
وعلى الرغم من تطور التكنولوجيا ووجود المنبهات والهواتف الذكية، لا يزال المسحراتي أيقونة لا تغيب، فهو ليس مجرد وسيلة للاستيقاظ، بل هو شكل من التراث وجزء لا يتجزأ من هوية رمضان التي تجمع بين العبادة والبهجة، بل تغير شكله وأصبح مواكبًا لعصره اليوم، من حيث أسلوب الطبل، وطريقة إلقاء الشعر، وإيقاظ النيام، حتى أصبح لا يجوب الشوارع فقط، بل يحضر المناسبات، ويظهر في التجمعات، بملابس ممزوجة بين التراث والعصرية.
مشهد يتلون بين رائحة التراث وعصرية الموقف، داخل عاصمة المعز، القاهرة، تحديدًا في قلب السيدة زينب، حيث وُلد محمود أحمد، في منطقة تعد قطعة من تراث العاصمة، تعلق بالأماكن التراثية والآثار الإسلامية، قبل أن يلتحق بدراسة الهندسة، ويتخرج في هندسة الإلكترونيات، إلا أن شغف التمثيل والمحاكاة ظل في وجدانه.
فمنذ 16 عامًا، تحديدًا في 2010، التحق «محمود» بإحدى الفرق الموسيقية، ليتقن حينها الإيقاع وعلم النغم، قبل أن يلتحق فيما بعد بفرقة للفنون الشعبية، ليجد نفسه في أدوار المسحراتي ودراويش السيدة: «حبيت أقدمهم، لهم تاريخ وقصص، من زمان كان نفسي أمثل، ولما جت الفرصة لقيت نفسي في الشخصيات دي».
صدفة خير من ألف موعد، بعدما طلب أحد أصحاب الشركات مجموعة من دارسي فرقة الفنون لمناسبة، ليجد نفسه ينجذب مجددًا لشخصية المسحراتي، قبل أن يسلك هذا المسار: «لما بدأت أقرأ الأدوار اتشديت للشخصيات التراثية والتاريخية القديمة، عجبتني شخصية المسحراتي، وبدأت أشتغل مسحراتي فعلاً في نوادي، في بعض الإيفنتات، وخيم وأماكن كتير جدًا، واحدة واحدة بقيت معروف، وليا طريقة وشكل معين».
يتذكر محمود المسحراتي، الشهير بـ«محمود السولي»، الذي يعمل مسحراتي في شهر رمضان من كل عام «مهنة الـ30 يومًا» بالعديد من الأماكن، المرة الأولى التي التقى بها بالأطفال، والتي حولت مصيره تمامًا: «أول مرة لبست لبس المسحراتي وطربوشه ومسكت الطبلة، الأطفال كلهم اتخضوا، ولكن من تاني يوم في نفس المكان بدأوا يجروا عليا ويطلبوا أقول على اسمهم، ومع الاسم أقول لهم شعر يليق عليه، وقتها شفت السعادة فعلاً، خصوصًا إني أب لـ3 أطفال، مرتبط جدًا بالأطفال وبحب يكونوا مبسوطين، وقررت أكمل في الحاجة اللي فعلاً بتبسطهم وكمان بتحقق ليا شغفي».
من الظهور في النوادي والشركات، إلى الخيم الرمضانية وبعض الفنادق، بدأ يُعرف المسحراتي محمود في هذه الأماكن، ويكسب شهرة بين السكان وبعض المشاهير: «بدأت الناس تتصور معايا، وبدأت أصور إعلانات خفيفة، والحمد لله رغم إنه شهر ربنا بيفتحها علينا في رمضان»، متابعًا: «باشتغل في إيفنتات وخيم وشركات، وحاليًا في بعض منازل الفنانين والمشاهير بنعمل شو في السحور، وليلة رمضان ألف منطقة الشروق كلها مع الأطفال».
لم يتوقف حلم «محمود» عند تجسيد الشخصية التي أحبها، بل اتخذها وسيلة لكسب العيش بشهر رمضان، فحاول دراسة التمثيل وأبعاد شخصية المسحراتي كلما جاءت الفرصة، وفقًا لحديثه لـ«الوطن»: «بادرس فنون وباقرأ عن الشخصيات مش مجرد هواية، أحاول أقدم كل اللي أقدر عليه، لأني أحسّن من نفسي وأتمنى أحقق حلمي في التمثيل والارتجال والشعر»، واختتم: «نفسي أقدم حاجات تسعد الناس، وتكون مرتبطة بالتراث المصري القديم».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك