عاد ملف اللغة الكردية ومناهج تدريسها إلى الواجهة في شمال وشرق سورية، في ظلّ المسار المتدرّج لتنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية الانتقالية من جهة وبين" قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وذراعها الإداري، أي الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية، من جهة أخرى.
ويأتي ذلك بالتوازي مع زيارة وفد وزاري محافظة الحسكة لبحث آليات تطبيق المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي ينصّ على تحديد اللغة الكردية لغة وطنية والسماح بتعليمها في المدارس الحكومية.
وعلى الرغم من الإطار العام الذي رسمته تفاهمات العاشر من مارس/آذار 2025، وما تبعها من تنسيق في ملفات التعليم والامتحانات، ما زالت تساؤلات جوهرية تُطرح بشأن طبيعة تطبيق المرسوم؛ هل يُعتمد منهاج متكامل باللغة الكردية؟ أم يقتصر الأمر على تدريس مادة اللغة الكردية فقط؟ وهل يُتاح التدريس في كلّ المناطق السورية ذات الحضور الكردي، أم يبقى محصوراً في الجغرافيا الخاضعة حالياً لسيطرة" قسد"؟يمثّل اتّفاق العاشر من مارس 2025 محطة أساسية في العلاقة ما بين" قسد" والحكومة السورية الانتقالية، إذ وضع إطاراً عاماً لإنهاء حالة الحرب في البلاد وإعادة دمج المؤسسات في شمال وشرق سورية في إطار الدولة.
في قطاع التعليم، أفضى الاتفاق إلى تنسيق بشأن امتحانات الشهادتَين الإعدادية والثانوية، بما أتاح لتلاميذ مناطق الإدارة الذاتية التقدّم إلى الامتحانات وفقاً للمناهج الرسمية المعترف بها.
كذلك وُقّع تفاهم لاحق في إبريل/ نيسان 2025 لتنظيم قطاع التربية وإنهاء الازدواجية ما بين مناهج الإدارة الذاتية ومناهج وزارة التربية والتعليم السورية.
لكنّ التطبيق الميداني واجه تعقيدات، من بينها قرارات سابقة لهيئة التربية في الإدارة الذاتية بفرض مناهجها الخاصة، في مقابل تعديلات أدخلتها الحكومة الانتقالية على المناهج الوطنية، الأمر الذي أبقى الملفّ مفتوحاً على احتمالات متعدّدة حتى مطلع عام 2026.
موقف وزارة التربية والتعليم إزاء اللغة الكردية.
في السياق، قال عضو الوفد الوزاري إلى الحسكة ومدير المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية لدى وزارة التربية والتعليم السورية عصمت رمضان لـ" العربي الجديد" إنّ مادة اللغة الكردية تُعَدّ، بموجب المرسوم الناظم، مادة اختيارية تُدرَّس بمعدّل حصّتَين أسبوعياً في مختلف مناطق البلاد.
وأوضح رمضان أنّ تدريس المادة مرتبط برغبة التلاميذ وأولياء أمورهم، مضيفاً أنّه" في أيّ منطقة سورية، بما في ذلك مدينة دمشق، إذا اكتمل العدد المطلوب لإنشاء شعبة صفّ في إحدى المدارس، من الممكن حينها إنشاء شعبة لتعليم اللغة الكردية".
وفي ما يتعلق بالتفاهمات مع مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية، أشار رمضان إلى أنّ النقاشات اتّسمت بـ" مرونة تامة"، وأنّ الاتّفاق جرى على الخطوط العريضة، مع بقاء مسائل تفصيلية لاستكمل البحث فيها خلال الأيام المقبلة.
ورفض رمضان الإجابة عن سؤال" العربي الجديد" بشأن ما إذا كان ذلك يعني عدم وجود منهاج متكامل باللغة الكردية والاكتفاء بتدريس مادة اللغة الكردية فقط، مكتفياً بما صرّح به من دون تقديم توضيحات إضافية.
في المقابل، ترى كوادر تعليمية كردية أنّ حصر المسألة بمادة اختيارية لا يلبّي تطلعات شريحة واسعة من السكان.
وقالت مدرّسة اللغة الكردية في الحسكة بهار ميراني لـ" العربي الجديد" إنّ" من غير الممكن التعامل مع اللغة الكردية بوصفها مادة اختيارية يتّجه إليها تلاميذ بوصفها هواية خاصة أو لاهتمام شخصي أو لظروف معيّنة، كما هي الحال مثلاً مع تلميذ يدرس اللغة الروسية لأنّ والدته من أصول روسية أو لأنّه يخطّط للدراسة مستقبلاً في روسيا".
أضافت ميراني أنّ" اللغة الكردية هي اللغة الأم بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين، بالتالي من المفترض أن تكون مادة إلزامية في المناطق ذات الحضور الكردي، حتى تنال الاهتمام اللازم من التلاميذ ومن الكوادر التدريسية والإدارية".
وتساءلت ميراني عن آلية ربط تدريس المادة باكتمال شعبة صف: " ماذا يعني أن تُدرَّس اللغة الكردية فقط عند اكتمال شعبة دراسية كاملة؟ ماذا لو لم يكتمل العدد المطلوب؟ هل يُحرَم التلاميذ حينها من تعلّم لغتهم الأم لعدم توفّر عدد كافٍ؟ ".
وانتقدت مدرّسة اللغة الكردية حصر تدريس هذه المادة بساعتَين أسبوعياً، وقد رأت أنّ" ساعتَين فقط لا تكفيان لبناء قاعدة لغوية متينة"، مشدّدةً على ضرورة" وجود منهاج متكامل باللغة الكردية في المناطق ذات الغالبية الكردية أو ذات الحضور الكردي، إلى جانب إتاحة تدريس اللغة الكردية مادةً قائمةً بذاتها في كلّ المحافظات السورية ولجميع السوريين، بوصفها لغة وطنية ورسمية".
إلى جانب الجدالَين القانوني والتربوي، يواجه تنفيذ أيّ صيغة تعليمية تحديات لوجستية في محافظة الحسكة ومدينة كوباني، حيث ملأت موجات نزوح عدداً كبيراً من المدارس، فيما تعرّضت مدارس أخرى لأضرار جسيمة من جرّاء العمليات العسكرية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الجهوزية الفعلية لتطبيق أيّ منهاج جديد.
ويبقى سؤال إعداد المناهج مطروحاً: هل أعدّت وزارة التربية بالفعل مناهج خاصة باللغة الكردية في خلال المهلة التي حدّدتها سابقاً (ستة أشهر)؟ وهل يُصار إلى الاستعانة بمناهج الإدارة الذاتية القائمة، أم يجري اعتماد صيغة جديدة بالكامل من ضمن الإطار الوطني؟في سياق متصل، كانت وزارة التربية والتعليم السورية قد أعلنت أخيراً وصول 100 ألف كتاب مدرسي إلى محافظة الحسكة، في خطوة أفادت بأنّها تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية وتلبية احتياجات التلاميذ، على أن تتبعها دفعات أخرى في وقت لاحق.
لكنّ مصادر محلية تشير إلى أنّ الدفعة المشار إليها وصلت إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية في الحسكة، من بينها منطقة الشدادة جنوب المحافظة وعدد من الأرياف، الأمر الذي يعيد طرح مسألة التوزيع المتوازن بين مناطق النفوذ المختلفة في داخل المحافظة.
في المحصّلة، يبدو أنّ ملفّ اللغة الكردية بات اختباراً عملياً لمدى قدرة تفاهمات العاشر من مارس على الانتقال من الإطار السياسي العام إلى سياسات تعليمية واضحة المعالم، تجيب عن أسئلة الهوية والاعتراف والمساواة، من دون أن تنتج ازدواجية جديدة في النظام التعليمي السوري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك