برلين – «القدس العربي»: في فيلمه الجديد «تقليم شجيرات الورد»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، من 12 إلى 22 فبراير/شباط الجاري، يعود المخرج البرازيلي من أصول جزائرية كريم عينوز إلى منطق السينما المتخمة بالحواس، المهووسة بالألوان والجسد والرغبة، لكن عبر قصة عائلة معطوبة مشوّهة، أقرب إلى كابوس على فراش مخملي، وتتحول الروابط العائلية إلى شبكة شهوانية خانقة، ويصبح البيت مسرحاً للشهوانية والجسد.
يذكرنا «تقليم شجيرات الورد» في روحه الساخرة السوداء بفيلم «مثلث الحزن» للمخرج السويدي روبن أوستلوند، فكلا العملين يتخذ من الطبقة الثرية مسرحاً لانهيار أخلاقي مدوٍّ، ويقلب الامتياز إلى مادة للفضح والتهكم.
غير أن أوستلوند يشتغل على السخرية الاجتماعية بمنطق بارد، هندسي تقريباً، يراقب الشخصيات كما لو كانت فئران تجارب في مختبر الرأسمالية، بينما يندفع كريم عينوز في «تقليم شجيرات الورد» نحو فائض حسيّ وانفعالي، حيث تتحول الثروة إلى شهوة، والعائلة إلى كيان شهواني خانق، والجمال إلى قناع للعنف.
إذا كان «مثلث الحزن» يهزأ من الأغنياء، عبر قلب موازين السلطة في فضاءات عامة كالسفن الفاخرة والجزر المعزولة، فإن «تقليم شجيرات الورد» يغوص في قلب القصر العائلي ذاته، كاشفاً كيف تنمو الوحشية في الداخل، في الحميمي واليومي، لا في الانهيارات الكبرى فقط.
كلاهما يلتهم الأثرياء سينمائياً، لكن أحدهما يفعلها ببرودة مشرط اجتماعي، والآخر بأظافر لامعة مغموسة في العطر والدم.
في أحد مشاهد الفيلم تستقبل العائلة الثرية حبيبة الابن الأكبر على مائدة الغداء، يدرك المشاهد، أنه أمام عالم لا يعرف الحياء ولا الرحمة.
الصمت يفضح الرغبات ويفضح النظرة الدونية للضيفة، بوصفها أقل ثراء وترتدي ثياباً يرتديها العامة والحقيبة الفاخرة التي تحملها لم تكن لتحملها لو لم تكن هدية من صديقها الثري.
ثم يأتي ذلك الطلب الفجّ من الأب الكفيف بأن تصف ابنته جسد الضيفة بتفاصيل مهينة شهوانية مهينة، ليس بدافع الفضول، بل بوصفه طقساً من طقوس السلطة.
هنا، لا يكون العنف جسدياً بقدر ما هو لغوي ونفسي، تقطيع بطيء لكرامة الآخر، أشبه بما تفعله المقصات حين تُهذِّب شجيرات الورد.
عينوز يصوغ هذا العالم بفتنة بصرية مذهلة.
أحمر قانٍ كثيف يكاد يكون دمويّاً، وأصفر فاقع، وأزرق لامع يوحي ببحر بعيد لا خلاص فيه.
كل لقطة تبدو كصفحة من مجلة أزياء فاخرة، لكنها مجلة مسكونة بالأشواك.
الجمال هنا ليس زينة، بل قناع يخفي خلفه تعفناً أخلاقياً عميقاً.
العائلة نفسها تبدو ككائن واحد متعدد الرؤوس، تحكمه الغرائز، والمال والرغبة في المتعة.
الأب الأعمى لا يرى لكنه يسيطر، يوزّع الإهانات كما يوزّع أوامره اليومية.
الأخت الوحيدة، المتوترة والمفرطة في شهوانيتها، تتحرك تبحث عن الهيمنة عبر الإغواء.
الأخ الأصغر يعيش هوساً مرضياً بالأخ الأكبر، في علاقة تختلط فيها الغيرة بالشهوة.
أما الابن الأوسط، الذي يروي القصة بصوت داخلي بارد، فهو العقل الذي يراقب ويخطط، ويطلق استعارة الفيلم الأساسية: الناس ورود، والعائلات شجيرات، والشجيرات تحتاج إلى تقليم.
وسط هذا الجحيم المخملي، يبدو الابن الأكبر وكأنه الوحيد الذي يريد الهرب من هيمنة الأسرة، عبر علاقته بحبيبته القادمة من عالم أقل ثراءً وأكثر طبيعية.
لكنها بدورها ليست بريئة تماماً؛ فهي أيضاً أسيرة رغبتها في الثراء والاستمتاع بالرفاهية والمنازل الفارهة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك