يتكرر في بعض الخطاب السياسي العربي والإسلامي منطقٌ اختزالي يربط مصير الأمة، عربيةً كانت أو إسلامية، بوزن إيران، فيُقدَّم أي إضعاف لها بوصفه إضعافاً للأمة كلها، لمجرد أنها تعادي إسرائيل.
وهكذا تُستدعى إيران بوصفها «قوة موازِنة»، ثم تُبنى النتيجة التي تؤكد: ضربها يضرّ الأمة.
غير أن هذه المعادلة، التي تبدو لأول وهلة استراتيجية، تقوم في حقيقتها على خلطٍ عميق بين العدوّ المشترك والمصلحة المشتركة، وعلى تبسيطٍ مخلّ لفكرة التوازن في الإقليم.
فإيران، خلال العقود الأربعة الماضية، لم تتحرك بوصفها قوةً للأمة، وإنما بوصفها قوةً لمشروعها الخاص – مشروعٍ قومي-ثوري ذي بعدٍ مذهبي، سعى إلى إعادة تشكيل المجال العربي نفسه.
وقد قامت استراتيجيتها على اختراق الدول العربية المركزية، وتفكيك توازناتها، وبناء شبكات نفوذ مسلحة عابرة للسيادة، من العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى اليمن.
وهذا التمدد لم يكن «رصيداً للأمة»، بقدر ما تبين أنه كان أحد أهم عوامل إنهاكها، لأنه نقل الصراع إلى داخل الدول، وحوّل مجتمعات كاملة إلى ساحات تنازع طويل الأمد، وأعاد تشكيل السياسة العربية على خطوط انقسام حادة.
إن القوة التي تُضعف بنية المجال الذي تنتمي إليه، لا يمكن تعريفها استراتيجياً بوصفها رصيداً له، حتى لو شاركته عداوة خصمٍ واحد.
فإيران لم توازن إسرائيل بقدر ما أعادت تشكيل البيئة العربية بطريقة أضعفت دولها، وفتحت فراغات سيادية عميقة، ورسّخت انقسامات مجتمعية حادة – وكلها عوامل زادت هشاشة المجال العربي.
وهذا التفكك البنيوي هو، تاريخياً، أعظم ما يخدم أي قوةٍ مهيمنة في المنطقة، لا ما يقيّدها.
لكن نقد هذا الوهم لا يبرر الوقوع في الوهم المقابل: وهم أن تحطيم إيران أو إخراجها من معادلة القوة يمثل مصلحة بحد ذاته.
فالسياسة الاستراتيجية تعمل بمنطق إدارة التوازنات، وليس بمنطق إزالة الخصوم.
وإيران، بحجمها وقدراتها، ليست ميليشيا يمكن محوها دون آثار، فهي دولة محورية في توازن غرب آسيا.
وأي اختلال جذري في وزنها سيعيد تشكيل المجال كله، لا وزنها وحده.
ومن هنا يظهر الخطأ المزدوج المتمثل في الخلط بين إضعاف مشروع إيران التوسعي داخل المجال العربي – وهو هدف مفهوم – وبين تحطيم الدولة الإيرانية أو إخراجها من التوازن الإقليمي – وهو سيناريو عالي المخاطر.
فالفراغ الذي تتركه قوة إقليمية كبيرة لا يملؤه العرب تلقائياً، وإنما ستتسابق لملئه قوى أخرى، وفي مقدمتها إسرائيل.
ومن ثمّ فإن انهيار إيران سيُنتج اختلالاً استراتيجياً أوسع في الإقليم، ولن ينتج، بدوره، «تحرر الأمة»!
وعليه، فإن الموقف الاستراتيجي الأكثر صواباً لا يقوم على حماية إيران، ولا على السعي لإسقاطها، وإنما على معادلة أدق، تتمثل في تقليص النفوذ التوسعي الإيراني داخل المجال العربي، مع بقاء إيران دولة إقليمية متوازنة داخل حدودها الطبيعية.
فالمشكلة تتمثل في تمدد مشروعها داخل البنية العربية نفسها، وهو التمدد الذي أضرّ فعلاً باستقرار المجال العربي.
إيران لم توازن إسرائيل بقدر ما أعادت تشكيل البيئة العربية بطريقة أضعفت دولها، وفتحت فراغات سيادية عميقة، ورسّخت انقسامات مجتمعية حادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك