صُدم الشارع التونسي بقرار رفض الدعوى القضائية المطالبة بوقف نشاط الوحدات الملوثة في مجمّع قابس الكيميائي، بذريعة" عدم ثبوت الضرر"، وسط انتقادات لمحكمة لم تنصف المنطقة رغم الأضرار الصحية والبيئية الجسيمة.
قضت محكمة تونسية، اليوم الخميس، برفض دعوى قضائية رفعها محامون وناشطون مدنيّون لوقف نشاط الوحدات الملوّثة في المجمّع الكيميائي في ولاية قابس جنوب شرقي البلاد، نتيجة الأضرار التي تتسبّب بها المخلفات الكيميائية للمجمّع.
وأعلنت الدائرة الاستعجالية بالمحكمة الابتدائية في قابس حكمها برفض الدعوى القضائية لعدم ثبوت الضرر، وذلك بعد تأجيل البتّ في القضية على مدى سبع جلسات سابقة.
في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، رفع محامون وناشطون مدنيون في قابس دعوى قضائية استعجالية ضد المجمّع الكيميائي الذي ينشط في المنطقة منذ أكثر من 55 عاماً، بهدف استصدار قرار قضائي يقضى بوقف نشاط الوحدات الملوثة للمجمّع، ولا سيّما بعد تصاعد حالات الاختناق في صفوف الأهالي، نتيجة الغازات السامة التي تنفثها الوحدات.
واستندت هيئة الدفاع في مؤيداتها التي قدمتها إلى هيئة المحكمة إلى نتائج تقرير أصدره المجمّع الكيميائي في يونيو/حزيران الماضي يثبت تسبّب نشاطه بنسبة تلوث عالية للهواء والبحر الذي تُسكب فيه مخلفات الفوسفوجيبس.
وأفاد عضو هيئة الدفاع المحامي مهدي التلمودي في حديث خاص لـ" العربي الجديد"، بأنّ المحكمة ارتأت رفض الدعوى القضائية، مقدرةً عدم وجود ضرر يستدعي وقف نشاط المجمّع الكيميائي.
ووصف الحكم الصادر بـ" الغريب" على الرغم ممّا تعانيه قابس من مشاكل التلوث، وإقرار أعلى هرم في السلطة بأنّ ما تعيشه الولاية هو جريمة بحق البيئة، فضلاً عمّا تضمّنه تقرير التدقيق من دلالة على وجود عدم مطابقة جسيمة لعدد من الوحدات الصناعية.
وكشفت وثيقة لمهمة التدقيق البيئي والاجتماعي لمواقع المجموعة الكيميائية التونسية وتقييم مدى الامتثال للمعايير البيئية والاجتماعية لنظام الضمانات المتكامل لعام 2023 التابع لبنك التنمية الأفريقي، اطّلع عليها" العربي الجديد" عن وجود عدد من حالات عدم المطابقة، بعضها جسيم.
وأظهرت نتائج التقييم الذي صدر في يونيو الماضي أن من بين أبرز المخالفات تسجيل انبعاثات ملوثة للهواء، منها الأمونياك، وأكاسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت، وغاز O₂N، بالإضافة إلى روائح كريهة.
كما كشف التقييم عن غياب نظام دائم لقياس جودة الهواء أو المياه في مصانع المجمّع ووجود تقصير في الالتزام باستخدام معدات الحماية الفردية رغم توفرها، إلى جانب تجاوز مستويات الضوضاء الحدود القانونية في بعض المناطق داخل الموقع، وضعف هيكلي في إدارة النفايات الخطرة وغير الخطرة، مع غياب السجلات المحيّنة وآليات التتبع.
ووفق التلمودي، يعتزم فريق الدفاع استئناف الحكم الصادر برفض الدعوى القضائية بعد الحصول على نسخة من الحكم للوقوف على أسباب الرفض.
وتُقرّ سلطات تونس بوجود مشاكل بيئية جسيمة في قابس، حيث كلّف رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد، منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لجنة علمية بإيجاد حلول عاجلة للوضع البيئي في المنطقة.
وكانت الحكومة التونسية قد أعلنت منذ عام 2017 التزامها التام بوقف سكب مادة الفوسفوجيبس في البحر، إضافة إلى تفكيك الوحدات الملوّثة واستبدالها بأخرى تحترم المعايير الدولية في السلامة البيئية، لتُحوّل من مكانها الحالي إلى مكان آخر يتمّ الاتفاق عليه لاحقاً.
وعبر سنواتٍ طويلة، قاد المجتمع المدني في المنطقة حراكاً للمطالبة بنقل المصانع خارج المنطقة، بعدما تسبّبت الغازات المنبعثة منه بأضرار جسيمة على الحياة البرية والبحرية في المنطقة، فضلاً عن تصاعد نسب الإصابة بالأمراض السرطانية.
وقال عضو حملة" ستوب بوليوشن" (أوقف التلوّث) إسلام الزرلي لـ" العربي الجديد" إنّ الحكم برفض الدعوى القضائية جاء صادماً، إذ كان الأهالي ينتظرون قراراً قضائياً يُنصف المنطقة في وجود أدلّة واضحة على الضرر الحاصل بسبب نشاط المجمّع، بما في ذلك التقرير الرسمي للمجمّع ذاته.
وأضاف الزرلي: " توقع الجميع إصدار حكم يقضي بوقف نشاط وحدات المجمّع، ولو مؤقّتاً، خصوصاً أنّ هيئة المحكمة أرجأت البتّ في القضية على مدى سبع جلسات، وطلبت في ثلاث جلسات مزيداً من الوقت للتأمل"، مرجّحاً عودة الاحتجاجات إلى الشارع، وذلك على الرغم من إصدار أحكام قضائية بسجن العديد من ناشطي الحملة، من بينهم ناطقها الرسمي خير الدين دبية الذي صدر بحقه حكم ابتدائي غيابي بسجنه لمدة عامٍ.
وأخيراً، أدانت المحكمة 12 ناشطاً في قابس، إذ صدرت بحقهم أحكام غيابية في قضية رفعها ضدهم المجمّع الكيميائي في قابس، بدعوى" تعطيل حرية العمل".
ويشير تقرير المفوضية الأوروبية الصادر في مارس/آذار 2018 إلى أنّ 95% من تلوّث الهواء في قابس مصدره المجمّع الكيميائي الذي يُطلق في سماء المدينة حمض الكبريت وأوكسيد الكربون ومواد سامّة دمّرت المنظومة الفلاحية، وأثقلت الأجساد بالأمراض، وأنّ التلوث في مدينة قابس ثلاثي الأبعاد في الماء والهواء والتربة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك