فيلمان، معروضان في مسابقة الدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/ شباط 2026) لمهرجان برلين السينمائي، يستحضران في طرحهما تروما طفولة.
لكن تقاطعهما يتجاوز حدود هذه الثيمة إلى عناصر جمالية فاعلة: " الجميع يحبون بِلْ إيفانز" لغرانت جي (جائزة الإخراج)، و" على البحر" لكرنيل موندروكسو، اللذين تناولا سعي فنانَيْن للتغلب على فترة فراغ يمران بها، بعد فقدانهما السيطرة، ترتبط بإدمان المخدرات أو الكحول، عبر استحضار الطفولة، بالرحيل إلى منزل الوالدين لتمضية فترة نقاهة جسدية وروحية في الحالة الأولى، واسترجاع لحظات خاطفة من علاقة معقّدة مع الأب في الثانية.
ينطلق" الجميع يحبون بِلْ إيفانز" (سيناريو مارك أوهالوران عن" فترة استراحة"، Intermission، لأوين مارتل، 2013) بمشهد مرجعي، لا ننفكّ نعود إليه كأنه فردوس مفقود، أو" ذروة مسار" تجلّى في تناغم حاصل بين عازف البيانو الأسطوري بِلْ إيفانز (آندرس دانييلسن لاي) ولاعب الكونترباص سكوت لافارو، في عزفٍ لتسجيل مباشر، سيغدو لاحقاً أحد أعظم أسطوانات الجاز إطلاقاً، بالعنوان نفسه للفيلم.
بعد ذلك بأيام عدّة، يقضي لافارو حتفه في حادث سير، فيختل توازن إيفانز الهشّ، ويهوي في دوامة إدمان الهيروين وحيداً في شقته.
وعندما يأخذه أخوه ليعيش وسط أسرته، وتنشأ علاقة جميلة بينه وبين صغيرة أخيه، نعتقد أنه أخيراً سيسترجع نشوة العزف.
إلا أنّ آلة البيانو، الماثلة في غرفة المعيشة، تصير في عينيه شبه مونوليث أفقي، يذكّره بشرط الفناء.
أفكار سوداوية دائرة في رأسه استدعاها غرانت جي بإبداع من داخل العزف المتناغم مع لافارو في البداية، في إشارة ذكية إلى أنها تمثل نوتة ناشزة وسط معزوفة بالغة الجمال، قبل أن يجد سبيلاً إلى تمثّلها بفضل اشتغال فعّال على جمالية الأبيض والأسود، وتعتيم الأجواء في منزل الأخ.
يستمر إيفانز في استحضار هذه اللحظة الفارقة، التي فَقَد عندها لاعب الكونترباص سيطرته على المقود، كأنها اللحظة نفسها التي فَقَد فيها تحكّمه الخاص في حياته، فصار طفلاً صغيراً في جسد بالغ، يعتمد على الآخرين ليبقى حياً.
يسافر إيفانز إلى بيت والديه في ميامي.
يعيش بينهما فترة نقاهة، أبعدته عن الإدمان، لكنها أرجعت إلى ذهنه أشباح طفولة عصيبة، لم تمنعه من امتصاص موهبة أخيه الكبير في عزف البيانو، ما يضيء وجهاً من تصرفات هذا الأخير، ناتجة من غبطة على عبقرية وصفتها والدتهما بالتلقائية.
عكس مشاهد نيويورك، المتسمة بالقتامة، تهيمن شمس ميامي الساطعة وحرارتها على القسم الثاني، فتبدو مواتية للتعبير عن صفحة بيضاء، يبحث عازف البيانو عن فتحها في حياته، لعلّ أبرز معبّر عنها شرشف تبلّله الأم، لتضعه قبالة النافذة، كي يخفّف من سخونة الهواء المنبعث منها.
أما الأب، المنشغل برعاية مشتل ورود، فلم يعبّر عن مشاعر حبّه الدفينة لابنه إلا بعد سهرة شرب مفرط بحانة، عانى فيها إيفانز ـ المعتاد لنقاء الجاز ـ من نشاز أصوات أبيه وأصدقائه الصادحين بالغناء.
يتجلى جزء من جاذبية الفيلم في اختلال المسار الخطيّ للحكي، لاستشراف الشهور الأخيرة من حياة إيفانز، قبل وفاته المبكرة عام 1980، بغية إلقاء الضوء على علاقة حبّ متعثرة مع إيلين، تناولها المخرج بمنظور تراجيدي، حيث لا ينفك إيفانز يناديها في نزعه الأخير، كأن قدره أن يندب من فَقَدهم، أو فرّط في حبهم.
يكتنف التشظي نفسه سيناريو" على البحر"، للمجري كرنيل موندروكسو: تعود لورا (آيمي أدامز) إلى منزل أسرتها بعد انقضاء تأهيلها من إدمان الكحول، إثر انهيار عاشته بعد أن كانت، ذات يوم، نجمة فرقة رقص شهيرة، أنشأها والدها الراحل.
بخلاف فيلم غرانت جي، لا نعرف عند البداية كيف انتهت لورا بالضبط إلى مصحة علاج للإدمان، رغم تلميحة إلى حادث سير (لقطة خاطفة ومتكرّرة لسيارة مقلوبة)، تعبر خيط أفكار لورا، كأنها من حياة سابقة.
شيئاً فشيئاً، تتضح ملامح ما دفع بها إلى فقدان السيطرة، متمثّلة بزوج يبدو ظاهرياً مُحبّاً، لكنه سريع الانفعال في المواقف الحاسمة، خصوصاً ترسبات طفولة صعبة أمضتها في ظلّ أب متطلب جداً في التدريبات، إلى درجة استخدام سوط لتأديبها.
يتلوّن أسلوب مخرج" كلب أبيض" (2014)، رغم كلاسيكيته، بلحظات تعبيرية، تلتقط شعور لورا الداخلي بنهاية العالم، حين يتعرّض طفلها للسعة قنديل بحر، أو ما سيحدث لو استسلمت لكأس ويسكي منعش (تتبادر إلى الذهن رائعة بيلي وايلدر، " نهاية أسبوع مفقودة"، 1945)، أو غنائية كانخراط ابنتها المراهقة (كلوي إيست) في وصلة من الرقص الانفعالي، للتعبير عن رفضها سلوك والدها، أو لقطة بانورامية ساخرة تمسح اغتراب أطفال وراء شاشات هواتفهم النقالة، بينما ينشغل آباؤهم في حفلة نظّمتها لورا بضغط شركائها في الفرقة، بغية بعث دفء في أوصال فرقة الرقص، بعد تضرّر ماليتها من غياب دام ستة أشهر، لكنها تؤدي إلى إيقاظ أوجاع الماضي، وانكشاف الأقنعة عن الحوافز الحقيقية وراء سلوك الجميع، فتواجههم عندئذ لورا بحقائقهم.
البديع في البنية السردية لـ" على البحر" إلقاؤه الضوء على الماضي القريب للورا (قبل فترة التأهيل)، في الوقت نفسه الذي يستشرف تحديات مستقبلية تواجهها، ملمّحاً إلى أن الخيط الناظم بين كل ذلك طفولة مُعقّدة، وغياب تواصل مع والدها، كثيراً ما يخطرهما موندروكسو بفضل تأطير نظرات لورا الطفلة إلى الكاميرا، كأنها تستشرف مستقبلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك