ما أروعه حين كتب الدكتور مصطفى محمود -رحمة الله عليه- عندما قال: " الإنسان لم يُخلق ليكون مستقيمًا كالسهم، بل متعرّجًا كالحياة، فلو أراد الله الإنسان معصومًا، لخلقه كما خلق الملائكة: طاعة بلا تردّد، وتنفيذ بلا سؤال، ونقاء بلا تجربة.
لكن الله لم يُرد نسخة مكرّرة من الملائكة، بل أراد كائنًا يعيش على الأرض ويتطلع إلى السماء.
الله لم يطلب من الإنسان أن يكون ملاكًا، بل أن يكون صادقًا في رحلته.
أن يسقط وهو يعلم أنه سقط، وأن ينهض وهو يعلم لماذا نهض.
وعن تناقضات الإنسان قال الدكتور مصطفى محمود: الإنسان خُلق وهو يحمل تناقضه في داخله، قبضة من طين تشده إلى أسفل، ونفخة من روح تشده إلى أعلى، وفي هذا الشدّ والجذب وُلدت حياة الإنسان كلها، فالخطأ ليس عيبًا طارئًا في التصميم، بل جزء من المعادلة الإلهية في علة خلق الإنسان".
الله عرَّف الإنسان طريق الخير وطرق الشر حين قال تعالى: { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} وحين قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}.
هكذا هي حياة الإنسان الأولى إنسان يخطئ ويصيب ويذنب ويستغفر ولا بأس فالله تعالى جل شأنه قال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
هكذا هي حقيقة الإنسان وحقيقة حياته كما بينها الدكتور مصطفى محمود في كلماته الرائعة؛ فلما جلد الذات ولما الانكسار، ولما العجرفة والتكبُّر، ولما الإنكار والعناد، ولما الحزن والتغريب والدراما وجلب المآسي، ولما التخاصم والتناحر والتقاطع، ولما التعصب الأعمى والجاهلية والتشدد، ولما اليأس والإحباط، ، فلا تزر وازرة وزر أخرى ودين الإسلام ليس دين أحزاب ولا تكتلات، ولا هو إسلام منظمات ولا طوائف ومذاهب وفرق وأو خلايا وجماعات.
الدين ليس حكرا على تاريخ ولا على تراث بشري مكتوب من قديم الزمان فقط يؤخذ منه ويرد إلا كتاب الله، وما صح وعقِلَ من حديث الرسول الكريم! الإسلام لله وحده والدين لله وحده، والله موجود وعلاقة العبد بربه مباشرة بدون وسيط وبدون وصي.
حتى رسول الإسلام نفسه -عليه وعلى كل الأنبياء الصلاة والسلام-؛ ربنا قال له: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ.
{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
{لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}.
ومواضع قرآنية كثيرة تشير إلى أنه لا وصي من البشر على الدين بالسيف والإرهاب، ولا وكيل من الناس على الناس باللحية والنقاب.
والقرآن يوضح ويؤكد على استمرار هذه الحالة الخلافية حين قال تعالى في سورة الحج الآية (17): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
مما يدل على أن الوضع الذي نحن عليه سيبقى قائما حتى قيام الساعة وسيبقى الناس مختلفين إلى أن يفصل الله بينهم يوم الحساب، والله على كل شيء شهيد وهو العدل المجيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك