طرابلس – «القدس العربي»: تجدّدت التطورات الأمنية على الحدود الجنوبية لليبيا عقب إعلان قوات خليفة حفتر تنفيذ عملية عسكرية قالت إنها أسفرت عن تحرير عناصرها الذين أُسروا خلال الهجوم على منفذ التوم الحدودي مع النيجر نهاية يناير الماضي، في وقت بارك فيه المجلس البلدي القطرون هذه العملية واعتبرها إنجازا أمنيا، بينما أعادت الوقائع الميدانية طرح تساؤلات أوسع بشأن هشاشة الوضع الأمني في الجنوب وطبيعة الترتيبات العسكرية الجارية خارج إطار السلطة التنفيذية الموحدة في البلاد.
المجلس البلدي في القطرون قال في بيان أصدره الخميس، إنه تابع باهتمام التطورات التي شهدها الشريط الحدودي، مشيدا بما سماه الجهود التي بذلتها قوات القيادة العامة لتحرير الجنود المختطفين، ومؤكدا دعمه لمؤسسات الدولة الشرعية وضرورة توحيد الصفوف وتعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية والمواطنين حفاظا على الأمن والاستقرار.
غير أن هذا الموقف يأتي في سياق انقسام سياسي وعسكري لا يزال يلقي بظلاله على المشهد الليبي، حيث تواصل قوات حفتر تحركاتها في الجنوب بمعزل عن وزارة الدفاع التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، الأمر الذي يثير مخاوف من تكريس واقع أمني مواز يفتقر إلى الرقابة المدنية الموحدة ويعمق ازدواجية القرار العسكري في البلاد.
وكانت الاشتباكات قد اندلعت فجر الحادي والثلاثين من كانون الثاني/يناير عندما هاجمت مجموعة مسلحة تطلق على نفسها اسم غرفة عمليات تحرير الجنوب، ثلاث نقاط حدودية هي منفذ التوم ووادي بوغرارة ونقطة السلفادور على الشريط الحدودي مع النيجر، وأسفرت المواجهات -وفق بيانات قوات حفتر- عن مقتل ثلاثة من عناصرها وأسر عدد آخر، قبل أن تعلن لاحقا استعادة السيطرة على المواقع.
المجموعة المهاجمة بررت تحركها بما وصفته بالاحتجاج على تردي الأوضاع المعيشية في الجنوب وانتشار تهريب المحروقات وتهميش أبناء المنطقة، في رواية تعكس حجم الاحتقان الاجتماعي الذي تعيشه مدن فزان في ظل ضعف الخدمات وغياب مشاريع التنمية واستمرار شبكات الاقتصاد غير النظامي التي تنشط عبر الحدود.
إعلان تحرير الأسرى جاء بعد نحو أربعة أسابيع من الهجوم، حيث قالت شعبة الإعلام الحربي التابعة لقوات حفتر، إن العملية نُفذت عبر وحدات خاصة على الحدود الجنوبية، موجهة رسالة طمأنة إلى أهالي المحررين، ومؤكدة مواصلة ملاحقة من وصفتهم بالمتورطين في الهجوم، في خطاب يركز على الحسم العسكري دون التطرق إلى جذور الأزمة المحلية.
في سبها، أصدرت البلدية بيانا أعربت فيه عن متابعتها للتطورات الأمنية على الشريط الحدودي، مؤكدة دعمها للقوات التي تتولى حماية الحدود وصون السيادة، في صياغة تعكس حرص البلديات الجنوبية على تجنب الانخراط المباشر في الاصطفافات السياسية مع التشديد في الوقت ذاته على أهمية الاستقرار.
ويرى مراقبون أن تكرار المواجهات في محيط منفذ التوم والمثلث الحدودي مع النيجر وتشاد يكشف عن ثغرات بنيوية في إدارة الملف الحدودي، إذ لا تزال المعابر الجنوبية تمثل شرايين لتهريب الوقود والسلع والهجرة غير النظامية، إضافة إلى تحركات مجموعات مسلحة عابرة للحدود تستفيد من اتساع الرقعة الصحراوية وضعف الإمكانات اللوجستية.
التطورات الأخيرة تأتي بعد أسابيع من إعلان تنسيق عسكري بين قوات حفتر والجيش التشادي لتأمين الحدود، وهو مسار يثير جدلا حول شرعية الاتفاقات العسكرية التي تعقد خارج إطار السلطة التنفيذية المعترف بها دوليا، ويطرح تساؤلات بشأن مدى انسجامها مع جهود توحيد المؤسسة العسكرية التي طالما دعت إليها بعثة الأمم المتحدة.
كما أن الجنوب الليبي ظل خلال السنوات الماضية ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية وملاذا لبعض الحركات التشادية والسودانية المسلحة، ما يجعل أي تصعيد أمني محملا بأبعاد تتجاوز الإطار المحلي، خصوصا في ظل استمرار الصراع في السودان وتعثر مسارات التسوية في تشاد، وهو ما يضاعف حساسية الشريط الحدودي الممتد عبر فزان.
في المقابل، تؤكد حكومة الوحدة الوطنية أن بسط الأمن في الجنوب يجب أن يتم عبر مؤسسات الدولة الموحدة وتحت إشراف مدني واضح، مع ربط المعالجة الأمنية بمسار تنموي يعالج اختلالات البنية الاقتصادية والاجتماعية في مدن الجنوب، إذ لا يمكن فصل ملف التهريب والانفلات الأمني عن واقع البطالة وتراجع الخدمات.
ويخشى متابعون من أن يؤدي التركيز على السردية العسكرية إلى تجاهل المطالب الاجتماعية التي رفعتها بعض المجموعات المحلية، خاصة ما يتعلق بتوزيع عائدات النفط وتحسين البنية التحتية وتوفير فرص العمل، وهي ملفات ظلت لسنوات مصدر توتر في سبها والقطرون وأوباري ومرزق وغيرها من مدن فزان.
ووفق مراقبين فإن تحرير الأسرى يمثل من الناحية الإنسانية خبرا إيجابيا لأسرهم، غير أن استدامة الاستقرار في الجنوب تظل رهينة بمعالجة أعمق من مجرد استعادة نقاط حدودية أو تنفيذ عمليات نوعية، فالمعابر تبقى عرضة للاشتعال في ظل غياب رؤية وطنية موحدة لإدارة الحدود وتوحيد المؤسسة العسكرية وإخراج الملف الأمني من دائرة التجاذبات.
وبين بيانات التهنئة المحلية وخطاب الحسم العسكري يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه التطورات ستقود إلى تهدئة حقيقية ومستدامة في أقصى الجنوب أم أنها حلقة جديدة في سلسلة من المواجهات المتقطعة التي تعكس أزمة أعمق تتعلق ببنية الدولة الليبية وتعدد مراكز القرار فيها وفق سياسيين.
ويرى مراقبون أن الجنوب الليبي يحتاج اليوم إلى مقاربة شاملة تعيد الاعتبار لدور الدولة المدنية الموحدة وتربط الأمن بالتنمية وتضع حدا لازدواجية المؤسسات، حتى لا تتحول المعابر الحدودية إلى مسار دائم للاشتباك السياسي والعسكري، وحتى لا يدفع أبناء فزان ثمن صراعات تتجاوزهم في كثير من الأحيان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك