لطالما كان مفهوم السيادة للدولة الحديثة (القومية) بكل تعريفاتها الدستورية وتوابعها السياسية وأعبائها التاريخية، موضع جدل تاريخي وثقافي ولغوي، إن لم يكن فلسفيا، وصولا إلى التخطيط العسكري الذي يرسم حدودها الاستراتيجية بالدماء.
وكيف بات هذا المفهوم «السيادة» المثقل بالرموز والشعارات في عصر التحكم بالبيانات، بما يحقق كل ما بشرت به العولمة والثورة الرقمية من تخطٍ للحدود بمعناها التقليدي، إلى تداول البيانات بما يشمل سجل الدولة، وما تدعيه من أمن قومي يستدعي ليس حراسة الثغور وجاهزية الجيوش؛ بل حزماً تقنية شديدة التعقيد، تُحمّل فيها أسرارها وملفاتها، على نحو ما يتيح لها تحكما بتقنياتها لخوض حروب، وعمليات تجسس قوامها وسائل غير تقليدية.
هذا التداخل بين الإطار التقليدي للمجال الحيوي للدولة بمفهومه الجيوبوليتيكي، ونظم الجغرافيا الفضائية، بما يهدد وظيفة الدولة في مرجعيتها الدستورية، ومركزية صناعة القرار فيها.
وإذا كانت مسألة سيادة الدولة، أي سيادتها الشرعية المؤسسة على السلطة القانونية، يعرّفها إطارها الناظم داخل حدود مادية ملموسة في سياق تطور الدولة القومية الحديثة، إلا أن هذه المفاهيم وفق سياقها التاريخي غشيتها تحولات حاسمة، رسخت تقليدية مفهوم الدولة أكثر في حدود تصاعد تدخلها الغليظ، بما فيه تمدداتها خارج حدودها في فترة الاستعمار، مصحوبة بقوة إخضاع غير مواطنيها، ممن هم خارج مشتركات الدولة القومية نفسها، وحدة اللغة والثقافة.
والتبرير يعكس جذور النظرة الغربية باستحداثاتها التقنية، ومعارفها الأنثروبولوجية.
واليوم تتعرض هذه المفاهيم إلى تحد من نوع غير مسبوق وغير مألوف وغير محدود بين الأطراف التي تتشاركها إنتاجا واستخداما وهيمنة.
إذن كيف ستعاد صياغة أو الدفاع عن شرعية سيادة الدولة في ظل تنامي مؤثرات سيبرانية، تدعمها تطبيقات الذكاء الاصطناعي؟ وهل يستمر الجدل الفلسفي حول الدولة على أطروحات هيغل إلى توماس هوبز، أو القانوني والسياسي من كارل شميدت إلى هارولد لاسكي إلى فوكاياما في بناء الدولة والنظام السياسي، في مواجهة خوارزميات ومخزونها الرقمي الهائل؟ وهذا المنحى الثوري في التطور المادي للعلوم يلقى عبئا هائلا على منظومة نظريات مبادئ علم الاجتماع في التنظيم السياسي، ودور الدولة وحاجة المجتمع في سياق الاجتماع البشري بالمعني الخلدوني إلى السلطة أو الحكومة التي تدير شؤون الناس والدفاع عن مصالحهم.
ولكن كما يعبر المؤرخ الفرنسي ايمانويل تود، بأن الشرعية السياسية في المجتمعات الحديثة لا تقوم فقط على المؤسسات أو الخطاب الأيديولوجي، بل تتأسس كذلك على التحولات البنيوية في التعليم، والديموغرافيا، وتغير أنماط الأسرة والقيم الاجتماعية.
ومن بين هذه التحولات في مفهوم السيادة التقدم التكنولوجي، الذي يعد من مخرجات التعليم والبحث العلمي التطبيقي، الذي تؤطره الدولة بسياسات الشرعية ومنطق مصالح الدولة العليا.
استخدمت الدول (القوى العظمى) منها منذ وقت مبكر التسابق التكنولوجي في الفضاء والحروب الإلكترونية في مجالات الفضاء والتجسس، إلى الحرب الجرثومية والأسلحة البيولوجية والكيماوية؛ وكلها تبرر في إطار حق الدولة في حماية سيادتها الشرعية.
ولكن التسارع الذي شهده مجال التطبيقيات الذكية بشكلها الحالي، جعل التنافس حربا تتعدد فيها المجالات وبطبيعية الحال تلك الوسائل التي تكون خارج سيطرة الدولة، بما يعني خارج حدود السيادة أيضا في تفسيراتها التقليدية وطريقة ممارستها.
فإذا كان التوجه السيبراني الذي أصبح سلاحا مضافا إلى أسلحة تدميرية أخرى تمتلكها دول محدودة، يتأسس ما يطلق عليه النظام العالمي، قياسا على توازنات القوة التي تفرضها تلك الأسلحة، تحت سيادة الدول نفسها، فإن هذه السيادة عادت تمثلها منظومات رقمية شديدة التعقيد، يملكها أفراد وشركات ومؤسسات ترتبط بمؤسسات الدولة بعلاقات تعاقدية.
فشركات البرمجيات التي تدخل في منظومة الدفاع باتت أكثر نفوذا بتحكمها في إدارة تطبيقات التوجيه والذكاء الاصطناعي.
التطور التقني بتسارع نتائجه وتطبيقاته الذكية يتجاوز ما استقر من مفاهيم قانونية ودستورية رسختها قرون من التشكل السياسي والتاريخي المتباطئ.
ولأن التشريعات المستجدة المتعلقة بقوانين الشركات التقنية، لا تلغي مفهوم السيادة التقليدي للدولة إلا أن تفاوت ذات التشريعات بين نظم الحكم المختلفة للبلدان، ينتج عنه توتر في العلاقات وكيفية التعامل بين سيادة الدول وقانون الأسواق المفتوحة، وتلك التي تهيمن عليها مركزية الدولة القابضة.
فبينما تستثمر الشركات الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية مثل، غوغل وميتا وشيلد آي في التعاون مع القطاعات الدفاعية العسكرية المختلفة، نجد أن الصين المنافس الأقوى تكنولوجيا تضع مجالات الذكاء الاصطناعي ضمن خططها الاستراتيجية، في ظل منظومة تسيطر عليها الدولة سيطرتها على جميع وسائل الاتصالات والرقابة والتحليل والرصد، بمعنى أن أصبحت برمجيات التقنية ضمن أيديولوجية الدولة، وبالتالي من صميم أمنها القومي.
وتعاملت الدول الغربية الرأسمالية مع التقنية الصينية في كثير من الأحايين كمهددات أمنية وأذرع للدولة الصينية مثل، تقنية الجيل الخامس، وحظر التقنية الأمريكية عن أجهزة هواوي المتنقلة وغيرها من الأجهزة الذكية وبرمجياتها.
وبرز من خلال هذا الاختلاف بين شركات تعمل مستقلة وأخرى تمثل قطاع الحكومة اختلافا في سياسات الدولة ومدى صمودها في تعريف حدودها في زخم الترابط الخوارزمي المتشابك.
وبينما لا تحوز الشركات، السيادة كما في الدولة، أو تسعى إلى إحلالها إلا أن خضوعها لتأثيراتها الهائلة وتهديداتها المباشرة التي من شأنها أن تقوض، أو تحد من مفهوم السيادة، أو تحيلها إلى سيادة رقمية تقاسم السيادة التقليدية في القرار والتصورات الاستراتيجية المعتمدة على تقنيات لا تشكل الحكومات جزءا من بيئتها العلمية.
فالتطور التقني بتسارع نتائجه وتطبيقاته الذكية يتجاوز ما استقر من مفاهيم قانونية ودستورية رسختها قرون من التشكل السياسي والتاريخي المتباطئ.
فإذا ظل التمسك بشكل متشدد في حماية سيادة الدولة الوطنية، بناء على أشكالها القائمة فمن المؤكد أن يحدث انفصال بين النظام السيادي والرقمي، الذي لن تكون نتائجه في صالح الأول مهما تمسكت الدول بالشعارات والرموز التي تظنها مانعة وتمثل حماية لقلاع السيادة باتت قابلة للانتهاك وربما الزوال.
ولكن واقعيا لا يمكن عزل السيادة بكل مفاهيمها عن البنية الرقمية، عن عالم أصبحت جزءا من مكوناته، ولا يمكن تصور النظم التي تدير الاقتصاد والعلوم والاتصالات وتعيد تشكيل هوية البنية السياسية وصناعة القرار في أكبر المنجزات الإنسانية كمؤسسة الدولة؛ أن تعمل في عالم تشكله خرائط سياسية، دون أن تتداخل في نظم الدولة السيادية والقانونية.
ولكن ما يواجه هذه المؤسسة من تحولات تفرضها آليات من خارج مصادرها سلطاتها في التشريع والقانون والتنفيذ.
وإذا كانت إدارة الدولة تعني على المستوى السياسي ممارسة سياسية تقوم على قاعدة المشاركة في السلطة بين الكيانات السياسية، فإن التعبير عن إرادتها السياسية، لا يكون خارج السياق الدستوري ومكوناته السياسية، التي تتشكل منها الدولة وسلطاتها ينتهي إلى وعاء جامع يعرف بالسيادة.
إذ أن النظام السياسي الذي يحكم بنية الدولة، ويحدُّ من تغولها على حقوق مواطنيها، وبالتالي يقسم الأدوار بين السلطة ورعاياها، تدخل التكنولوجيا كإحدى الوسائل التي تملك حيزا رقميا يمتلك من البروتوكولات الرقمية بما يحقق استقلالية تضمن خصوصية المستخدمين في تبادل البيانات ومشاركتها بين أفراد ليس بضرورة أن يرتبطوا ويخضعوا لمفاهيم السيادة كما في البلد الواحد.
وهذا ما يكشف التوتر القائم في بعض دول العالم، خاصة تلك التي تحكمها مركزية القرار تعود إلى عصر ما قبل الفضاءات الرقمية المفتوحة بينها، وحقوق مواطنيها في حرية استخدام البيانات وتطبيقيات الذكاء الاصطناعي.
وليس من المستغرب أن توجد بين دول العالم اليوم دول حظرت استخدام الإنترنت بعد ثلاثة عقود من انطلاقه في العالم وهي دول لديها نظم في الحكم أصبحت خارج التاريخ.
ويمضي تيار التطبيقات الرقمية ليكون هوية ودولة ومواطن يأخذ تعريفه من خوارزمياتها أكثر من قوانين وشعارات الدولة التقليدية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك