رمضان غزة هذا العام اختبار يومي للصبر داخل خيمة مهترئة بالكاد تحجب برد الليل وحرّ النهار، تحيط بها أصوات الرياح وصراخ الأطفال.
هنا تختلط قدسية الشهر الفضيل بمرارة النزوح وفقدان الأمان.
مع اقتراب أذان المغرب تتسارع الخطى في مخيمات النزوح المنتشرة في قطاع غزة، ليس بحثاً عن موائد عامرة كما كان الحال في سنوات سابقة، بل عن غذاء يسدّ الرمق بعد يوم صيام طويل يعيشه الجميع في القطاع الذي أضحى ركاماً ومكاناً يستوطن فيه الوجع والفقر والجوع.
رمضان هذا العام لا يشبه أي رمضان مضى.
لا فوانيس معلقة على الشرفات، ولا روائح القطايف تنبعث من المطابخ، ولا زيارات عائلية تمتد حتى السحور، وسط خيام يُسمع فيها فقط وقع أقدام باحثين عن ماء ومساعدات.
تجلس أم سعدي راضي أمام موقد بدائي صنعته من حجارة وقطع معدنية، وتحاول إشعال نار ضعيفة تحت قدر صغيرة تحتوي على ما تبقى من العدس.
ترفع الغطاء بين حين وآخر، ليس لتفقد نضج الطعام فقط، بل كي تطمئن إلى أن أطفالها سيجدون شيئاً يفطرون عليه.
وتقول لـ" العربي الجديد": " أصوم للمرة الثالثة داخل خيمة، بعدما دمّر الاحتلال الإسرائيلي منزلنا في حي الزيتون، ما أفقدني أي شعور بالفرحة وأي معنى لطقوس شهر الصوم، والأزمات تتكدّس وتزداد يوماً بعد آخر".
تبدأ يوميات الأسر النازحة قبل ساعات من الفجر.
تستيقظ الأمهات على وقع البرد الذي يتسلل من أطراف الخيام، يتفقدن أطفالهن الذين ينامون متلاصقين تحت بطانيات خفيفة، ويحاول بعضهن تحضير وجبة سحور متواضعة تتضمن غالباً الخبز وبعض المعلبات إذا توفرت، أما الماء، فتحدّ كبير، إذ تضطر النساء للسير مسافات طويلة أو أن يقف الرجال في طوابير طويلة للحصول على ليترات قليلة.
في السابق، كان السحور مناسبة عائلية دافئة تجتمع فيها الأسرة حول مائدة بسيطة لكنها مليئة بالطمأنينة، أما الآن، وبعد حرب طاحنة دمّرت كل شيء، أصبح السحور لحظة صامتة يطغى عليها التعب والخوف من يوم جديد مليء بالمجهول.
تمسك تهاني خويطر (42 سنة) أمام خيمتها بوعاء بلاستيكي يحتوي على قليل من الأرز، وتقول بصوت متعب لـ" العربي الجديد": " كان رمضان يعني لي المطبخ وتحضير المأكولات وترتيب المائدة وانتظار أولادي لمساعدتي في إعداد الإفطار.
اليوم لا مطبخ ولا أدوات، أطهو على الحطب، وأحياناً لا أجد ما أطبخه أصلاً".
تتابع: " أكثر ما يؤلمني أنني أشعر بأنني عاجز، إذ كنت أحرص على أن يكون رمضان شهراً مميزاً لأطفالي، حتى لو كانت ظروفنا صعبة.
اليوم صار همّي الوحيد أن أؤمّن لهم وجبة واحدة.
لا عصائر، لا حلويات، ولا حتى تمر أحياناً.
حتى طعم الأكل تغيّر، ليس بسبب اختلاف المكونات، بل لأن الأوضاع تغيّرت بالكامل، وأثرت على حالتنا التنفسية.
كنا نفطر بفرح والآن نفطر بصمت".
مع شروق الشمس تبدأ رحلة جديدة من المعاناة في غزة.
يخرج الرجال للبحث عن أي مصدر للدخل أو عمل مؤقت، بينما تبقى النساء في الخيام ويحاولن إدارة حياة كاملة في مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار، أما الأطفال الذين كان رمضان بالنسبة لهم موسماً للفرح واللعب، فأصبحوا يقضون نهارهم بين الغبار والحر، من دون مدارس أو أنشطة، يراقبون وجوه ذويهم بحثاً عن إجابات لأسئلة أكبر من أعمارهم.
الحر داخل الخيام لا يُحتمل والهواء يكاد يكون معدوماً.
تحاول بعض الأسر تخفيف المعاناة عبر رش الماء على الأرض من أجل تبريد الجو خلال ساعات النهار، فيما يجلس آخرون خارج الخيام تحت أشعة الشمس، رغم قسوتها، لأن الداخل أكثر اختناقاً.
ويقول ياسر أبو عميرة (38 سنة) الذي كان يعمل نجاراً قبل النزوح، لـ" العربي الجديد"، من أمام خيمته: " كنت أستقبل رمضان وأنا أزين البيت وأجهزه.
الآن لا بيت أصلاً، أشعر بأنني فقدت دوري بصفتي أباً، لا أستطيع أن أؤمن لعائلتي ما كانت تحتاج إليه.
الصيام في ظل النزوح مختلف تماماً.
في البيت كنت أرتاح قليلاً بعد العمل، أقرأ القرآن وأزور إخوتي.
هنا يومي كله بحث عن ماء ومساعدة وأي شيء يسد الجوع".
يتابع: " أصعب سؤال سمعته من ابني، هو هل سنرجع إلى بيتنا قبل أن ينتهي رمضان؟ لم أعرف ماذا أجيب، لكنني شعرت بأنني أصبحت عاجزاً أمام طلبات وأمنيات أطفالي".
ومع اقتراب المغرب تتجه الأنظار إلى ما يتوفر من طعام، لا وجود لموائد عامرة أو أصناف متنوعة، وجبة الإفطار تقتصر غالباً على صنف واحد، إذا وُجد، علماً أن مسؤولين وعاملين في العمل الإغاثي يقولون إنه يجب أن تدخل 750 شاحنة إلى غزة يومياً لضمان تلبية الحدّ الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان القطاع.
ورغم ذلك يُحاول الآباء والأمهات إخفاء شعورهم بالعجز.
يبتسمون لأطفالهم ويشجعونهم على الحمد، رغم الألم الذي يسكن قلوبهم.
تقول ربة المنزل ابتهال حميد (33 سنة)، وهي ترتب أطباقاً بلاستيكية بسيطة: لـ" العربي الجديد": " أصعب ما في الأمر ليس الجوع، بل الشعور بأنني لا أستطيع أن أوفر لأطفالي ما اعتادوا عليه، فهم كانوا ينتظرون رمضان بفرح، أما الآن فيسألونني لماذا نعيش في خيمة".
تضيف: " كان رمضان يعني لأسرتي وأطفالي الفوانيس والزيارات، وكنا ننتظره لصنع أكلات متنوعة وتجهيز الولائم وجمع الأقارب وزيارة الأحباب، ونخرج بعد الإفطار ونمشي في الشوارع المزينة بالأضواء.
اليوم لا شوارع ولا زينة.
وبالطبع أكثر ما أفتقده هو الشعور بالأمان.
حتى الصلاة كانت مختلفة، إذ كنا نصلي التراويح في المسجد القريب من بيتنا، الآن نصلي داخل الخيمة.
كان رمضان شهر الفرح، والآن صار شهراً نتمنى أن يمر سريعاً لأننا لا نستطيع أن نعيشه كما يجب".
وبعد الإفطار، يحل الليل بصمت ثقيل على شوارع المدينة المدمّرة ومخيمات النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
لا إنارة كافية ولا كهرباء، بعض المصابيح الصغيرة أو أضواء هواتف محمولة فقط.
يجلس أفراد الأسرة متقاربين ويتبادلون ذكريات رمضانات سابقة، كأنها قصص من زمن بعيد.
كان رمضان في بيوت غزة مناسبة للدفء الاجتماعي، حيث تزدحم بالضيوف وتتعالى أصوات الضحك، وتزين الشوارع بالأضواء، أما الآن، فاختفت هذه التفاصيل وحل بدلاً منها شعور دائم بالغربة رغم أن أبناء غزة لم يغادروا أرضهم.
وتقول الستينية أم العبد اللوح لـ" العربي الجديد": " عشت ظروفاً صعبة في السابق، لكنني لم أشهد رمضان بلا بيت سوى خلال السنوات الثلاث الماضية".
تضيف مسترجعة بعض ذكرياتها: " كان أولادي وأحفادي يجتمعون عندي، وأعد لهم المسخن والقطايف.
كان الضحك يملأ البيت، اليوم كل واحد في خيمة ونلتقي بالكاد.
رمضان بلا عائلة حول مائدة واحدة ليس رمضان، هو مجرد أيام صيام".
وداخل الخيمة تحاول الأسرة ممارسة تفاصيل حياتها اليومية في مساحة واحدة حيث ينام الجميع ويأكلون ويجلسون، ويواجهون أحزانهم.
الخصوصية تكاد تكون معدومة، والضغوط النفسية تزداد يوماً بعد يوم.
النساء يتحملن عبئاً مضاعفاً، فهن مسؤولات عن رعاية الأطفال وتأمين الطعام والحفاظ على تماسك الأسرة رغم الظروف القاسية، أما الآباء فيعيشون في صراع داخلي بين رغبتهم في حماية عائلاتهم وعجزهم عن تغيير الواقع.
وتتحدث الفلسطينية آية أهل (30 سنة)، وهي أم لثلاثة أطفال، أن الخصوصية اختفت والضغوط تضاعفت، وتقول لـ" العربي الجديد": " نعيش خمسة أشخاص في مساحة ضيقة، لا خصوصية، لا مكان للراحة.
رمضان كان مناسبة سنوية تتميز بالكثير من الأجواء والتفاصيل العائلية والأسرية، لكن الصيام داخل الخيمة مرهق جداً.
الأطفال متوترون، وأنا أحاول أن أهدئهم وأخفف عنهم، لكن من دون فائدة".
كان رمضان قبل النزوح شهراً يحمل طقوساً مميزة.
كانت البيوت تنظف وتزين، بينما تُحضر الأمهات الأطعمة التقليدية وتخرج العائلات لزيارة الأقارب.
كان هناك شعور بالاستقرار والانتماء، أما اليوم، فتغيّر كل شيء.
استبدلت الجدران الصلبة بالقماش، والمطابخ بموقد بدائي، وغرف الأطفال بأرضية رملية، لم تعد هناك مواعيد محددة أو عادات ثابتة، بل حياة معلقة تنتظر المجهول.
ورغم كل هذه المعاناة، تحاول الأسر التمسك بروح رمضان بطريقتها الخاصة، تجتمع بعضها للصلاة، وأخرى لتبادل ما يتوفر من طعام لمحاولة إحياء شعور التضامن، ويعلق بعضهم زينة بسيطة على باب الخيمة بأمل أن يكون الغد أكثر أمناً وفرحاً.
ويعيش الناس وسط الخيام بين فقدان الماضي والخوف من المستقبل، لكنهم يتمسكون بالأمل في أن يكون هذا النزوح مؤقتاً، وأن يعودوا يوماً إلى بيوتهم كي يستقبلوا رمضان كما اعتادوا، بكرامة وأمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك