على امتداد أكثر من أربعة عقود، يتكرر السؤال ذاته في الصحافة البحرينية: أين تقف المكتبات العامة من مشروع التنمية الثقافية؟ وهل يكفي تعدد المبادرات والجهات المشرفة، أم أن المرحلة تتطلب كيانًا مؤسسيًّا موحدًا يقود القطاع برؤية واستراتيجية واضحة؟منذ الثمانينيات، عكست التغطيات الصحافية قلقًا مبكرًا من ضعف البنية المؤسسية للمكتبات.
ففي أكتوبر 1982 نشرت أخبار الخليج تقريرًا ينتقد تهالك مبنى المكتبة المركزية وضيق مساحتها ونقص الدوريات بسبب محدودية الميزانية، متسائلًا كيف يمكن لمكتبة بهذا الواقع أن تكون نقطة جذب لجمهور قارئ بطبعه.
وفي الشهر ذاته، عاد مدير إدارة المكتبات العامة آنذاك من جولة أوروبية شملت الدنمارك والنرويج وفرنسا وألمانيا، ليؤكد أن تقدم تلك المجتمعات يقاس بمتانة أنظمتها المكتبية، مقترحًا إنشاء مكتبة مركزية تليق بمستوى البحرين.
وفي فبراير 1990، صرّح مدير المكتبات العامة منصور سرحان بأن “المكتبة المركزية المتطورة أصبحت ضرورة ملحة”، مشيرًا إلى فجوة بين المكتبات العربية ونظيراتها الأوروبية.
وبعدها بأشهر، طرحت أخبار الخليج سؤالًا جوهريًا: هل يكفي وجود مراكز توثيق ومعلومات موزعة على جهات مختلفة؟ أم أن الحاجة باتت ملحة لمركز عام أكبر يجمع شملها وينسق بينها؟هذه الأسئلة لم تكن مجرد ملاحظات عابرة، بل تعكس إشكالية بنيوية: توزّع المكتبات ومراكز المعلومات بين جهات متعددة، دون مظلة استراتيجية موحدة.
مشهد اليوم: تعدد المؤسسات وغياب المظلة.
اليوم، تحتضن البحرين صروحًا ثقافية مهمة، من أبرزها مركز عيسى الثقافي، التابع للديوان الملكي، والذي يضم بين مرافقه المكتبة الوطنية بمركز عيسى الثقافي، أكبر مكتبة في المملكة بما تحتويه من أكثر من 100 ألف عنوان، إضافة إلى مكتبة إلكترونية، مكتبة أطفال، قاعات معارض ومؤتمرات، وتطبيق أنظمة حديثة مثل RFID.
تمثل المكتبة الوطنية نموذجًا متقدمًا من حيث البنية والخدمات والأهداف، كجمع النتاج الوطني وإصدار الببليوغرافيا الوطنية وحفظ الكتب النادرة.
غير أن وجود هذا الصرح المتطور لا يلغي واقع أن المكتبات العامة الأخرى ومراكز المعلومات لا تزال موزعة إداريًا بين جهات مختلفة، وبعضها يخضع لإشراف وزارة التربية والتعليم، وأخرى لجهات ثقافية أو مؤسسات مستقلة.
هذا التعدد، رغم ما قد يحمله من تنوع، يخلق تحديات واضحة:
غياب استراتيجية وطنية موحدة لقطاع المكتبات.
تفاوت في مستوى الخدمات والتجهيزات.
تكرار في الأدوار مقابل نقص في التكامل.
ضعف في منظومة التمويل والتطوير المهني.
تركيز بعض الجهات على الإحصاءات بدل التأثير المعرفي الفعلي.
المكتبات معيار تقدم.
لا مرفق ثانوي.
تجارب الدول التي زارها مسؤولو المكتبات في الثمانينيات أظهرت أن المكتبات العامة ليست مرافق تكميلية، بل مؤسسات تنموية أساسية.
حتى في حالات التقشف، كانت ميزانيات البحث والمكتبات في تلك الدول بمنأى عن التخفيض، إدراكًا لدورها في بناء رأس المال البشري.
في البحرين، تكررت الدعوات منذ 1982 إلى إنشاء مكتبة مركزية متطورة، وتطوير أقسام الأطفال، وإدخال التكنولوجيا الحديثة، وإنشاء مكتبات متنقلة.
وبعد أكثر من أربعين عامًا، لا يزال جوهر المطالب ذاته قائمًا: تنظيم القطاع وتوحيد الرؤية.
نموذج ملهم: هيئة متخصصة تقود القطاع.
في فبراير 2020، أنشأت المملكة العربية السعودية هيئة المكتبات السعودية ضمن منظومة الهيئات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة.
تتولى الهيئة اقتراح استراتيجية وطنية لقطاع المكتبات، وتطوير التشريعات، ودعم التحول الرقمي، وتحسين الوصول للخدمات، وتعزيز الوعي المعلوماتي، وتنمية الكفاءات، وبناء الشراكات.
هذا النموذج لا يعني استنساخ تجربة بعينها، بل يطرح فكرة جوهرية: وجود كيان مؤسسي متخصص يُعنى حصريًّا بقطاع المكتبات، يضع له استراتيجية، ويقيس أثره، ويضمن تكامله مع بقية القطاعات الثقافية والتعليمية.
تجارب إقليمية تؤكد أهمية الإشراف الموحد.
لا تقتصر نماذج الإشراف الموحد على دولة واحدة، بل نجد تجارب خليجية واضحة في هذا الاتجاه.
ففي دولة الكويت، تتولى مكتبة الكويت الوطنية الإشراف على المكتبات العامة، وهي تتبع وزارة الإعلام/ قطاع الثقافة، ما يعكس وضوحًا في تبعية القطاع الثقافي وإدارته ضمن مظلة واحدة.
وهذا النهج هو السائد في غالبية دول العالم، حيث تخضع المكتبات العامة لإشراف وزارة الثقافة أو هيئة ثقافية وطنية متخصصة، بما يضمن تكامل السياسات الثقافية، وتوحيد معايير العمل، وتنسيق الجهود بين المكتبات العامة والمتخصصة.
في السياق البحريني، يمكن النظر إلى أكثر من خيار مؤسسي:
أن تتولى وزارة الثقافة الإشراف الكامل على قطاع المكتبات العامة.
أو أن يُمنح مركز عيسى الثقافي صلاحية الإشراف على القطاع بأكمله، بوصفه مؤسسة وطنية تحتضن المكتبة الوطنية وتمتلك البنية المؤسسية والخبرة الفنية.
ويمكن في هذه الحالة إنشاء مجلس أمناء وطني لقطاع المكتبات يضم ممثلين عن الجهات المعنية، مثل وزارة الثقافة، وزارة التربية والتعليم، مجلس التعليم العالي، وزارة شؤون الشباب، وغيرها من الجهات ذات العلاقة، لضمان تكامل الأدوار دون تضاربها.
لماذا تحتاج البحرين إلى هيئة وطنية للمكتبات؟إن إنشاء هيئة أو كيان وطني مستقل للمكتبات يمكن أن يحقق عدة أهداف استراتيجية:
توحيد الإشراف والتخطيط: وضع استراتيجية وطنية شاملة تغطي المكتبات العامة والمتخصصة، مع احترام خصوصية المكتبات المدرسية والجامعية.
تحقيق التكامل: ربط المكتبة الوطنية بالمكتبات العامة ومراكز المعلومات في شبكة وطنية موحدة.
تحديث التشريعات: إصدار أنظمة حديثة تنظم الإيداع القانوني، والرقمنة، والخدمات المجتمعية.
دعم التحول الرقمي: إنشاء منصة وطنية موحدة للفهرسة والخدمات الإلكترونية.
تعزيز الدور المجتمعي: تحويل المكتبات إلى مراكز للتعلم مدى الحياة، والابتكار، والحوار الثقافي.
تطوير الكفاءات المهنية: بناء مسارات مهنية واضحة لأخصائيي المكتبات.
الرهان الحقيقي ليس في عدد الزيارات المسجلة، بل في عدد القراء الفاعلين، وعدد الباحثين المستفيدين، ومستوى الوعي المعلوماتي في المجتمع.
المكتبة ليست مخزن كتب، ولا مجرد مبنى جميل، بل مؤشر حضاري يعكس جدية الدولة في الاستثمار في المعرفة.
لقد طرحت الصحافة البحرينية منذ الثمانينيات سؤال “المكتبة المركزية المتطورة”، وربما آن الأوان اليوم لطرح سؤال أوسع:
أليس الوقت مناسبًا لإنشاء هيئة وطنية للمكتبات تقود القطاع برؤية موحدة، وتُنهي تشتت المسؤوليات، وتضع المكتبة في قلب مشروع التنمية الثقافية؟فالتاريخ يُظهر أن الفكرة قديمة، والحاجة مستمرة، لكن التنفيذ المؤسسي الشامل هو ما لم يتحقق بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك