يُعرض مسلسل" مطبخ المدينة" (كتابة علي وجيه، سيناريو سيف رضا حامد) ضمن الأعمال الدرامية لموسم رمضان، وهو مشروع استغرق الإعداد له عامين، وذلك قبل سقوط النظام السوري السابق.
يعود علي وجيه في هذا العمل إلى المساحات التي شغلته سابقاً، مستعيداً حضوره عبر الاشتباك مع قضايا العشوائيات التي تناولها في" على صفيح ساخن" (2021)، والفقر المتجذّر في قلب دمشق، ليطرح هنا قضية التسوّل من زاوية اجتماعية تتقاطع مع مصير عائلة الجمل التي تدير مطبخاً ومطعماً في أحد أحياء العاصمة السورية.
تنطلق الحكاية من حادثة مفصلية تتمثّل في خطف الابنة الصغرى للعائلة، أثناء وجودها في مدينة الملاهي، برفقة شقيقها عبد الكبير (عبد المنعم عمايري).
مأساة العائلة الخاصة تتقاطع مع مأساة أكبر، هي عالم عصابات التسوّل التي تستغل الأطفال والمراهقين، إذ تنشأ في ضواحي دمشق مدينة خفيّة يسكنها الفقراء والمتسوّلون من مختلف الأعمار، يديرها الكف (فادي صبيح) بالشراكة مع نورا (أمل عرفة).
ونورا كانت تعمل سابقاً في المطبخ، لكنها اختارت طريق التسوّل طمعاً بالكسب السريع والمال، لتصبح جزءاً من شبكة أكثر قتامة.
يشهد العمل عودة مكسيم خليل إلى الدراما المحلية بعد سنوات من تقديم أعماله السورية والعربية المشتركة خارج دمشق، بسبب معارضته نظام الأسد.
وقد أحسنت المخرجة رشا شربتجي اختياره لبطولة" مطبخ المدينة"، لا سيما أن التفاهم الفني بينهما أثمر سابقاً أعمالاً ناجحة، أبرزها" الولادة من الخاصرة" بجزأيه الأول والثاني، فكان الانسجام بين رؤيتهما واضحاً في بناء الشخصيات وتحريكها ضمن بيئاتها المعقّدة.
داخل عائلة الجمل تسود علاقة متناقضة ومشحونة، إذ يستحكم الشر في حياة عبد الكبير، الابن البكر، وفي علاقته بوالده طلحت الجمل (عباس النوري).
الخوف من ردّة فعل الأب بعد خطف الابنة يلازم عبد الكبير ويثقل كاهله، إذ يحمّله والده مسؤولية فقدانها لأنها كانت برفقته.
يبرع عبد المنعم عمايري في الغوص داخل هذا الدور المركّب، مقدّماً أداءً متقناً لشخصية تمزّقها التناقضات والشعور بالذنب تجاه الأب والعائلة والأخت المفقودة.
غير أن هذا الذنب لا يردعه عن الانزلاق أكثر؛ فيعمل شاهد زور في المحاكم بتكليف محامٍ يُدعى صادق (خالد القيش)، باع ضميره في القضايا الموكلة إليه مقابل المال.
بل يتجاوز ذلك إلى ممارسة التشبيح مستعيناً بصديقه رجل الأمن وسيارته العسكرية لفرض إتاوات مالية بالقوة على التجار.
ولا يقل شُجاع (مكسيم خليل) فساداً عن شقيقه الأكبر، إذ ينخرط مع عصابة من المراهقين في سرقة السيارات وبيعها قطعاً، ما يقوده تدريجياً إلى شبكة الاتجار بالأطفال المتسوّلين التي تديرها نورا، ابنة خالته، التي كانت تعمل سابقاً إلى جانبه في المطبخ.
تتشابك الخيوط هنا بين العائلة والعصابة، بين المطبخ الذي يفترض أن يكون مساحة للرزق الشريف، والعالم الموازي الذي تحكمه المصالح القذرة.
لا يبتعد" مطبخ المدينة" كثيراً عن أعمال سابقة تناولت قضايا مشابهة، إلا أن علي وجيه يعيد طرحها عبر خطّين متوازيين في تفسير نشوء الشر وأسبابه.
الأول يرتبط بالدوافع البيئية، أي بالظروف الاجتماعية القاسية المحيطة بالعائلة، التي يُتوقّع أن تتكشف أبعادها أكثر في الحلقات اللاحقة.
أما الثاني فيتعلّق بتأثير هذه الظروف في تكوين الشخصية نفسها، وكيف يمكن أن تتحوّل إلى دافع داخلي يدفع الأفراد إلى ممارسة الشر طمعاً في النفوذ والكسب، لا بدافع الحاجة وحدها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك