عيّنت الحكومة السورية جمعة الدبيس العنزي قائماً بالأعمال في سفارة سورية في القاهرة، في خطوة قد تؤدي إلى تدفئة العلاقات بين دمشق والقاهرة التي ما تزال تتريّث في الانفتاح والتعاون مع النظام السوري الجديد، وتتعامل معه بحذر شديد بسبب خلفيته الإسلامية وهواجس أمنية لا تزال عالقة بين الجانبين.
ويتحدر العنزي (56 عاماً) من ريف الرقة الشمالي شرقي سورية وهو قاض انشق عن نظام الأسد في عام 2012، ولعب بعد ذاك عدة أدوار في تيارات المعارضة ولا سيما المتعلق منها بالقضاء، والعدالة الانتقالية.
وعيّنته رئاسة الجمهورية عضواً في اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق بشأن أحداث الساحل السوري التي وقعت في السادس من مارس/آذار 2025.
وجاءت تسمية العنزي" في إطار الخطة الاستراتيجية لوزارة الخارجية والمغتربين لإعادة تفعيل بعثاتها الدبلوماسية"، بحسب بيان وُزع على الصحافيين من قبل إدارة الإعلام في وزارة الخارجية الأربعاء الماضي، ذكرت فيه أنه" تم استكمال تشكيل فرق عمل متكاملة لعدد من البعثات حول العالم، وتكليف قائمين بالأعمال ودبلوماسيين وفق الإجراءات المعتمدة لمباشرة مهامهم".
بسام العمادي: لقب قائم بالأعمال توصيف لحالة رئيس البعثة المؤقت أو الأصيل.
ويشي هذا التعيين أن العلاقات بين سورية ومصر، ربما تشهد في المرحلة المقبلة تقارباً متدرجاً قد يفتح الباب أمام تبادل السفراء لفتح قنوات اتصال أوسع وأشمل، تنهي حالة التردد وعدم اليقين التي تمر بها العلاقة بين القاهرة والإدارة السورية الجديدة.
وتواصلت" العربي الجديد" مع الخارجية السورية للتعليق على هذا التعيين، لكن من دون أن تحصل على رد.
وحاولت" العربي الجديد" التواصل مع عدة مسؤولين في الخارجية السورية للاستيضاح حول سبب تعيين قائم بالأعمال في مصر، وليس سفيراً، وما إذا كان لسورية سفراء في دول أخرى أم جميعهم قائمون بالأعمال، وقد أجاب محمد الأحمد؛ مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، بأن كل ممثلي سورية في السفارات الخارجية هم بمرتبة قائمين بالأعمال، وليس بينهم سفراء، من دون توضيح ما إذا كان مردّ ذلك إلى اعتبارات تخصّ الخارجية السورية، أم بسبب تحفّظات من جانب الدول المضيفة، كما لم يرد على التساؤلات والاستيضاحات الأخرى التي وجهت إليه.
من جهته، أوضح سفير سورية السابق في السويد بسام العمادي، في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، أن" لقب قائم بالأعمال ليس مرتبة دبلوماسية، بل توصيف حالة رئيس البعثة المؤقت أو الأصيل".
وأوضح أن" إرسال أي دبلوماسي ليس بمرتبة سفير فوق العادة ومن دون أوراق اعتماد لا يحتاج لموافقة الدولة المضيفة، لأنه في هذه الحالة يكون دبلوماسياً عادياً ولا يمنح ميزات السفير كلقاء مسؤولين كبار في الدولة المضيفة، ولا يدرج اسمه ضمن قائمة السفراء، بل ضمن قائمة دبلوماسيي سفارة الدولة المرسلة".
وتابع أن" هناك قائماً بالأعمال أصيلاً يسمى رئيس بعثة وهو مرتبة أقل من سفير، ويحمل مرتبة دبلوماسية ما بين ملحق ووزير مفوض أو سفير في حالات قليلة، وهذا يكون في حال أن العلاقات الدبلوماسية ليست في أحسن حال أو أن العلاقات الدبلوماسية لم تصل للمرتبة الأعلى وهي مرتبة سفير".
أشار العمادي إلى أن" وزارة الخارجية السورية أعلنت أخيراً عن إرسال قائمين بالأعمال إلى عدة دول، من دون أن يذكر ما إذا مُنحوا مرتبة دبلوماسية (بين ملحق ووزير مفوض) أم أرسلوا من دون مرتبة دبلوماسية".
وحول اعتماد الخارجية السورية على القائمين بالأعمال وليس السفراء، أفاد بأن الحكومة السورية" ما تزال مؤقتة"، مشيراً إلى أن الدول" تعاملت مع الأمر الواقع في سورية".
ودعا إلى أن يكون رؤساء البعثات الخارجية" من الدبلوماسيين المنشقين أو من دبلوماسيين ليسوا من فلول النظام البائد، أو دبلوماسيين جدد تلقوا تدريبات طويلة وخدموا فترة طويلة في وزارة الخارجية".
ويأتي تعيين العنزي في وقت ما تزال فيه العلاقات السورية المصرية فاترة، إذ لم تبد القاهرة ترحيباً بالتغيير الكبير الذي حدث في دمشق، عبر سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، ولم تسارع في فتح قنوات اتصال وتعاون مع الإدارة السورية الجديدة كما فعلت دول عربية أخرى.
كما يأتي التعيين في خضم حملة ضد سوريين الذين لجأوا إلى مصر إبان سنوات الثورة، للتضييق عليهم لدفعهم للعودة إلى بلادهم.
ورغم أن هذه الحملة لا تخص السوريين وحدهم، وتشمل جنسيات أخرى، إلا أنها تعد مؤشراً على سلبية العلاقات بين الحكومتين المصرية والسورية حيال الكثير من الملفات، خصوصاً الأمنية منها.
واعتبر الباحث السياسي بسام سليمان تعيين جمعة العنزي قائماً بالأعمال في مصر" خطوة في اتجاه تقارب"، مشيراً في حديثٍ لـ" العربي الجديد" إلى أن العنزي" من ذوي الفهم السياسي العميق وهو قادر على رسم خطوط علاقة واضحة ما بين دمشق والقاهرة"، مضيفاً أن عودة العلاقة بين سورية ومصر ضرورية.
ولم يقم الرئيس السوري أحمد الشرع.
منذ توليه السلطة بزيارة رسمية إلى مصر، بيد أنه شارك في قمة عربية طارئة دعت إليها القاهرة في مارس 2025 لبحث تطورات القضية الفلسطينية.
وعلى هامش القمة، التقى الشرع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي.
وتشير المعطيات السياسية والوقائع إلى أن القاهرة تتعامل بكثير من الحذر مع الإدارة السورية الجديدة بسبب خلفيتها الإسلامية، وبسبب ملفات أمنية ما تزال من دون تفاهمات تتعلق بمسلحين مصريين في سورية يبدو أنهم يشكلون مصدر قلق للحكومة المصرية.
وكانت الإدارة السورية الجديدة ألقت مطلع عام 2025 القبض على مصري قاتل في سورية إلى جانب" هيئة تحرير الشام"، يُدعى أحمد المنصور، بث في ذلك الحين تسجيلات مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي هدد فيها الحكومة المصرية.
ويبدو أن هذه الخطوة لم تكن كافية لتبديد مخاوف القاهرة من وجود مسلحين مصريين في سورية انخرطوا ضمن فصائل ذات أبعاد إسلامية أثناء سنوات الثورة السورية ضد نظام الأسد.
رضوان زيادة: عودة العلاقات السورية المصرية ربما تحتاج إلى حوار طويل المدى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك