الجزيرة نت - رؤساء شركات الطيران يجتمعون في ريو وسط صدمة الوقود العربي الجديد - ضحايا جراء الحرائق في سورية وسط استعدادات للدفاع المدني القدس العربي - باحث ومؤرخ فرنسي: حرب إيران أدت فقط إلى تفاقم المخاطر التي كان يفترض أن تمنعها روسيا اليوم - الجيش اليمني يتصدى لـ3 مسيرات مجهولة في حضرموت الجزيرة نت - رحلة سلمان بونعمان لفهم النهضة اليابانية.. مصالحة الهوية والحداثة لتجاوز أزمة العالم العربي وكالة الأناضول - يوم البيئة العالمي.. تحذيرات من كارثة صحية في غزة مع تراكم النفايات روسيا اليوم - ترامب يصدر عفوا عن عضو جمهوري سابق في الكونغرس العربية نت - رئيس لجنة حصر السلاح بالعراق: نحتاج قوات أمنية بلا انتماءات سياسية Euronews عــربي - مقتل 3 عسكريين من الجيش اللبناني بينهم عميد بغارة إسرائيلية.. وتل أبيب تبرر روسيا اليوم - شركة تأمين تخسر دعواها لاستلام حطام "رولز رويس" بعد مرور 10 سنوات
عامة

البوح والذاكرة والاغتراب في رواية «أرجوان»

القدس العربي
القدس العربي منذ 3 أشهر
1

ثمة لحظةٌ غامضة في حياة الإنسان، يكتشف فيها أنّ ما مضى لم يمضِ، وأنّ السنوات لا تنقضي بقدر ما تترسّب في الداخل، طبقة فوق طبقة، حتى يصبح المرء هو ذاكرته أكثر مما هو حاضره. هناك، في تلك المنطقة المعلّقة...

ملخص مرصد
رواية «أرجوان» للأردني كايد الركيبات تستكشف علاقة الإنسان بذاكرته وتأثير الفقد على تشكيل الذات، من خلال شخصية آصف الذي يواجه الاغتراب والتحولات النفسية بعد فقدان والديه وجدته. تتناول الرواية الفروق بين الحياة القروية والمدينية، ودور البوح والكتابة في العلاج النفسي، معتمدة على بنية زمنية غير خطية تعكس طبيعة التجربة الشعورية.
  • تتناول الرواية تأثير الفقد على تشكيل الذات من خلال شخصية آصف
  • تسلط الضوء على الفروق النفسية والاجتماعية بين الحياة القروية والمدينية
  • تستخدم الكتابة والبوح كوسيلة للعلاج النفسي ومواجهة الماضي
من: كايد الركيبات (الكاتب)، آصف (الشخصية الرئيسية) أين: الأردن (قرى جنوب الأردن، عمّان، العقبة)

ثمة لحظةٌ غامضة في حياة الإنسان، يكتشف فيها أنّ ما مضى لم يمضِ، وأنّ السنوات لا تنقضي بقدر ما تترسّب في الداخل، طبقة فوق طبقة، حتى يصبح المرء هو ذاكرته أكثر مما هو حاضره.

هناك، في تلك المنطقة المعلّقة بين ما كان وما لم يعد ممكنا أن يكون، يبدأ السؤال الحقيقي: هل نعيش حياتنا كما حدثت، أم كما استقرّت فينا؟ !

لا تنتمي «أرجوان» للأردني كايد الركيبات إلى الروايات التي تقوم على الحدث بقدر ما تقوم على الكشف.

إنّها رواية تتقدم عبر ما يُقال، وما يُستعاد، وما يُفهم متأخرا، حيث تحضر الشخصية المركزية في الرواية «آصف» بوصفها وعيا يتشكل عبر الخسارة، ويعيد تشكيل نفسه عبر البوح.

فقد آصف والديه، ثم جدته التي كانت تمثل ملاذه الأخير، فوجد نفسه في مواجهة العالم وحيدا في مدينة أخرى، من دون سند تعويضي حقيقي.

وكان الفقد لحظة تأسيسية في تكوين الذات، لحظة انكسار أولى ظل صداها يتردد في مسار حياته اللاحق.

وتدرك الرواية، بوعي دقيق، أنّ ما يصنع الإنسان هو ما عاشه، والطريقة التي استقر بها هذا العيش في ذاكرته.

تكتسب الأمكنة في «أرجوان» دلالة نفسية تتجاوز بعدها الجغرافي، وهي ذات تأثير فاعل على العديد من الشخصيات، خاصة آصف وانتماء ووالدها، فهم من قرى جنوب الأردن، اضطرتهم ظروف الحياة للإقامة في المدن، ولكنهم لم يفقدوا طبيعتهم القروية، ولا أخلاق وطباع القرية، وبقيت روابطهم متشابكة لا يستطيعون منها فكاكا، حتى إنّ والد انتماء أوصى أن يُدفن في قريته الجنوبية.

وشكّل آصف حالة مكثفة للاغتراب والتحوّل، فهو ابن قرية جنوبية، عاش في العاصمة عمّان فترة الدراسة ومن ثم العمل في البنك المركزي، وعاش في مدينة العقبة سنوات يعمل في مهن هامشية مختلفة.

وكان انتقاله من العقبة إلى عمّان انتقالا وجوديا، من فضاء الألفة إلى فضاء الاغتراب، فهو لم يفقد موقعه الاجتماعي، أو منصبه الوظيفي، لكنه يفقد إحساسه العميق بالانتماء للمدينة التي عاش فيها طويلا.

والمدينة، في الرواية، ليست عدوا، لكنها أيضا ليست سكنا.

إنها فضاء يعيد تعريف الإنسان بوصفه فردا، لا بوصفه امتدادا لجذوره.

هنا، يظهر الاغتراب بوصفه وعيا صادما بالمسافة بين الإنسان والعالم.

يقول آصف بعد يومه الأول في عمّان منتدبا إلى البنك المركزي: «مضى يومي الأول في العمل، والحقيقة التي أخفيها مع التماس العذر للزملاء، أنّ أحدا منهم لم يبادر إلى عزيمتي ولو من باب المجاملة.

أعد نفسي ضيفا، وأعد نفسي غريبا في عمّان، لكن هذه أخلاق المدينة، كلا أخلاق ناسها، ظروفهم الوظيفية، التزاماتهم المادية، نظامهم المعيشي، تصميم شققهم السكنية، كلها عوامل تحد من تلفظ أحدهم بطلب الاستضافة.

أهل المدن ضوابط الإنفاق عندهم تختلف عن أهل البادية وأهل القرى.

علينا أن نُسلم بذلك.

لا تنتظر من موظف يقضي ثلث يومه في عمله أن يقضي شيئا من وقته مأسورا بتقديم سبل سعادتك وراحتك».

وآصف هنا يؤكد اختلافا جوهريا بين القرية والمدينة؛ إذ أنّ المدينة عبارة عن دوامة تدور وتدور ولا تتوقف، ولا مكان فيها للمجاملات والمشاعر تجاه الآخرين، التي هي أقرب للبرودة والجفاف وعدم الاهتمام.

المدينة قُدّت من حجر وانعكس ذلك على أهلها.

تقدم الرواية نموذجا مختلفا للعلاقة الإنسانية من خلال شخصية «سيلين»، الطبيبة النفسية.

حيث لا تقوم هذه العلاقة على التوجيه أو العلاج أو الوصفات الجاهزة، ولكنها تعتمد على الإصغاء؛ ولا تعطي سيلين آصف إجابات، وإنما تمنحه فرصة أن يسمع نفسه، أن يكتشف دواخله، أن يتعرف إليه من جديد.

العلاج، في رواية «أرجوان»، يتم عبر التذكر لا النسيان وتجاهل الماضي، حيث تطلب منه سيلين بعد أن شخّصت حالته أنها «متلازمة تنامي شعور الفقد»، أن يكتب بعفوية وصدق عن مشاعره النفسية وعلاقاته العاطفية، في محاولة منها لحثه «على إخراج مشاعره النفسية المكبوتة على الورق».

وهي هنا تضعه في مواجهة نفسه، في مواجهة ذاته في أكثر مناطقها هشاشة، وتصبح الكتابة وسيلة لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية، وإعادة التوازن والسلام الداخلي.

وقد اكتشفت بهذه الوسيلة مكامن مشكلاته وجذورها بالإضافة إلى حقيقة كينونته وداخله الهش الرقيق القلق الذي يختلف عن ظاهره الجاد المنظم المطمئن.

على الرغم من حياة آصف الزوجية الناجحة، وحرصه على استقرار أسرته وحبه الدافق لزوجته، إلا أنّه يميل لعلاقات عاطفية، أو صداقات نسائية، ضمن حدود مرسومة لا يتخطاها، وكل ذلك بعد زواجه.

أول هذه العلاقات مع جارته «سلافة» التي يتعاطف مع وضعها الإنساني البائس وأسرتها المفككة، وأبيها السكير المتهتك، واكتملت مأساتها بمرض أسلمها للموت.

والعلاقة الثانية مع الأمريكية «كاساندرا» زميلته في النادي التي مكنته من التعرف على جانب من حياة المرأة الغربية المتأرجحة بين رغبتها في التحرر، والعيش من دون قيود ورغبتها في الأمومة والاستقرار.

وثالث هذه العلاقات، وهي الأكثر صمتا والتباسا، مع زميلته في العمل ومرؤوسته «انتماء».

لا تُعلن هذه العلاقة نفسها صراحة، لكنها تحضر في التفاصيل، في التردد، في ما لا يُقال، ولا يكون الحب، هنا، حدثا مكتمل الأركان، لكنه يظل إمكانية، احتمالا، معلّقا بين الرغبة والخوف، بين الاقتراب والتراجع.

في هذه العلاقات، خاصة مع انتماء، لا تبحث الرواية عن اكتمال عاطفي بقدر ما تبحث عن معنى المشاركة الإنسانية، عن لحظة يرى فيها الإنسان نفسه منعكسة في وعي آخر.

وتقول الدكتورة سيلين عن ذلك بأنها «نزوة» لا بد أن تنتهي بشكل ما، وتفسر علاقة آصف بانتماء بأن آصف رأى في انتماء فتاة أحلامه، «ولكنها ظهرت في حياته متأخرة، بعد أن سار شوطا طويلا في تكوين الأسرة المثالية، فأصبحت نفسه تتأرجح بين هذه وتلك، وغدا حائرا لا يريد لهذه جرحا في مشاعرها ولا يريد لنفسه من تلك خلاصا».

التقطت كاساندرا الحقيقة الكامنة، فبعد أن قرأت رواية آصف التي عنونها «أرجوان» ورواية انتماء التي عنونتها «ابن برخيا»، وضعت النقاط على الحروف، تقول في رسالتها لآصف: «قرأت روايتها فوجدتك بين سطورها وفاعلا لكل أحداثها وإن كنت متخفيا في عباءة ابن برخيا.

وقرأت روايتك فوجدتها حاضرة حضور الهدهد في قصر بلقيس.

عزيزي آصف: لا أحد يكتب عن امرأة هكذا إلا إذا كان مأسورا بها.

وأنت متورط حدّ الصمت».

وعلى أي حال؛ فإنّ تربية آصف القروية والتزامه الأخلاقي، وحرصه على قدسية العلاقة الزوجية منعه من أن يتجاوز الحدود، وبقيت مشاعره مكبوتة في داخله، تؤرقه وتعذبه، ما اضطره لمراجعة الدكتورة سيلين للخروج من حالة التشتت والتأرجح، والعودة إلى سكة الحياة الزوجية والاكتفاء بها وحدها، ويؤكد هذا أنّ زواج انتماء الثاني كان بتدبير منه سعيا وراء سعادتها وخلاصا له أيضا.

تعتمد بنية الرواية على الاستعادة، حيث لا يسير الزمن إلى الأمام دائما، بل يعود إلى الخلف في كثير من الأحيان، وما يحدث الآن ليس إلا مفتاحا لما حدث من قبل.

هذا التشظي الزمني تعبير عن طبيعة التجربة النفسية نفسها؛ فالإنسان لا يعيش وفق تسلسل زمني منطقي بالضرورة، وغالبا وفق تسلسل شعوري، حيث يظل الماضي حاضرا بقدر حضور الحاضر نفسه، وربما أكثر.

أما عنوان الرواية «أرجوان» فيحمل كثافة رمزية عميقة، إذ يقيم هذا اللون في منطقة وسطى بين الأحمر والأزرق، بين حرارة الحياة وبرودة الانطفاء.

إنّه لون الجرح حين لا يزال نابضا، ولون الحياة حين يمرّ بها ظل الألم، وبهذا المعنى، يعبر الأرجوان عن حالة وجودية؛ حالة بين التعافي والانكسار، بين الذاكرة والنسيان.

إنّه لون الروح حين تتعلم أن تعيش بما لم يلتئم فيها.

وبعد؛ فإنّ «أرجوان» لكايد الركيبات، رواية تمثل رحلة في أعماق النفس الإنسانية، وتقدم رؤية عميقة، تؤكد أنّ الإنسان قادر على إعادة بناء ذاته، مهما كانت جراحه، وأنّ الألم لا ينتهي لكنّه يتغير، ولا يُشفى الإنسان تماما، لكنّه يصبح أكثر قدرة على فهم نفسه، وأنّ الإنسان لا يتحرر من ماضيه إلا بمواجهته، وأنّ البوح فعل اعتراف وفعل تحرر وخلاص أيضا.

وتترك الرواية شخصياتها في حالة عبور، لا وصول، وكأنّها تلمّح إلى أنّ النّجاة ليست ضفة يبلغها الإنسان، ولكنّها طريقة جديدة في النظر إلى ما حمله معه طوال الطريق.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك