يزخر التراث العربي بمؤلفات عديدة للرحالة المسلمين الَّذين جابوا العالم القديم وسجلوا تفاصيل عديدة عن عادات وتقاليد سكان هذه البلاد، فكانت مدوَّناتهم سجلًّا احتفظت به المكتبات العربيَّة في بغداد ودمشق والقاهرة، ونهل منها الغرب في دراساته الجغرافيَّة والتاريخيَّة، وقد خصوا شهر رمضان بصفحات عديدة، رسمت صورة حيَّة عن احتفالات المسلمين بالشهر الفضيل، وكان أشْهَر هذه الكتابات ما خطَه الرحالة العظام ابن جبير، وابن بطوطة، وأبو بكر العياشي الَّذين دوَّنوا ما شاهدوه في ثلاث مُدن عربيَّة خلال شهر رمضان، هي مكَّة المكرمة ودمشق والقاهرة.
يصف الرحالة الأندلسي ابن جبير في كتابه «تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار» المعروف بـ»رحلة ابن جبير»، شهر رمضان في مكَّة المكرمة والاحتفالات الخاصَّة بقدومه وإحياء لياليه المباركة، ومظاهر ختم القرآن الكريم في كُلِّ وتر من الليالي العشر الأخيرة، كما يصف الأركان الأربعة للحرم المكي ومنبر الخطيب، كما تناول ابن جبير كيف يحتفل أهل مكَّة باستقبال هلال رمضان، حيثُ يدخل أمير مكَّة ساحة الحرم لِيعلنَ رؤية الهلال وبداية الصيام، ويأمر بزيادة الإضاءة منذ صلاة المغرب وحتَّى صلاة الفجر، كما يتم تجديد فرش الحرم الشريف عند دخول غرَّة الشهر الكريم.
وتحدَّث عن صلاة التراويح وعدد ركعاتها الَّذي بلغ أربعًا وعشرين ركعة خارجًا عن الشفع والوتر، كما دوَّن مظاهر ختم القرآن الكريم، حيثُ يتنافس الصبية في ختمه والاحتفال بذلك بإيقاد الشموع وتقديم الطعام، كما تحدَّث عن السحور في مكَّة قرب المئذنة الَّتي توجد في الركن الشرقي للمسجد الحرام، بسبب قربها من دار شريف مكَّة، فيقوم الزمزمي (المسحراتي) بالصعود إلى قمَّتها وقت السحور، داعيًا ومذكرًا بوقت السحور، وخلْفه طفلان صغيران يرددان ما يقوله.
بَيْنَما شاهد الرحالة الشهير ابن بطوطة غرَّة شهر الصوم في دمشق الشام، الَّتي زارها أكثر من مرَّة، فذكر تفاصيل عن عادات أهلها في استقبال الشهر الفضيل، فيقول: «وإذا أهلَّ هلال رمضان تضرب الطبول عند أمير دمشق، ويقع الاحتفال بمسجد دمشق الكبير بتجديد الحصر وإيقاد الشمع والمشاعل، حتَّى يتلألأ المسجد نورًا ويسطع بهجة وإشراقًا، ولا تبقى في المسجد زاوية ولا ناحية إلَّا وفيها قارئ يصلِّي بجماعته، فيرتج المسجد لأصوات القرَّاء، وترق النفوس وتحضر القلوب وتهمى الأعين».
كما يُشير لكرم الدمشقيين فيقول: «لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده البتَّة، فمَن كان من الأمراء والكبراء فإنَّه يدعو أصحابه والفقراء ليشاركوه الإفطار، ومَن كان من التجار وكبار السوقة صنع مثل ذلك، ومَن كان من الضعفاء والبادية، فإنَّهم يجتمعون كُلَّ ليلة في دار أحدهم أو مسجد ويأتي كُلُّ واحد بما عنده فيفطرون جميعًا»، وكان المسجد الأموي ملتقى لمجالس الفِقه والحديث، يؤمُّها كبار الفقهاء وطلاب العِلم، وقد استمع ابن بطوطة خلال زيارته لصحيح البخاري خلال أربعة عشر مجلسًا، أوَّلها كان منتصف شهر رمضان، وآخرها في الثامن والعشرين منه.
وزار الرحالة المغربي عبدالله بن أبي بكر العياشي القاهرة غير مرَّة، وهو في طريقه للحج، وقد تحرَّك هو ورفاقه في السادس والعشرين من رمضان1072هـ الموافق 1663م، من مدينة إمبابة قاصدين ميناء القاهرة النيلي في بولاق، فهاله أن وجد النيل في غاية النقصان، وقد انحسر الماء عن بقاع كثيرة في وسطه، ولم يستطع أن يحقق أمنيته بالإقامة قرب الجامع الأزهر، لانشغال الدور بالحجاج القادمين من شمال إفريقيا، الَّذين كانوا يحرصون على الاحتفاء بشهر رمضان بالصلاة بالأزهر الشريف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك