يوسف الصائغ (1933 ـ 2005) شاعر عراقي «مختلف» وصاحب تجربة شمولية يأخذ فيها بأجناس أدبية وفنية: شعر ورسم ومسرح ورواية.
بيْد أن ما يعنيني في هذا المقال هو نصه «انتظريني عند تخوم البحر»، من حيث هو تنويع على «نشيد الأنشاد [الأناشيد] يكاد الشاعر يمحو فيه الحدود والفواصل بين الأجناس الأدبية.
فهذا نص موزون أداره الصائغ على تفعيلة الخبب/ المتدارك: فاعلن بشتى زحافاتها وعللها، و»حرره» من القافية؛ وأشرعه على «شعرية النثر»، بل جعل منه نصا «عابرا للأجناس» بعبارة نادية هناوي.
ولعل هذا هو المدخل المناسب، إلى هذه القصيدة التي تتراشح فيها أجناس أدبية شتى، وكأنها تشبيك بين نصوص تتباين أزمنتها (نشيد الأنْشاد» للنبي سليمان)، وتتعالق أنسابها، فهي شعر وسرد وحوار و»تخييل ذاتي»… أو «سيرذاتي مرجعي»، «يختلق» فيه الشاعر أو «المتلفظ» لنفسه شخصية بدر شاكر السياب، حتى لكأن القصيدة «مرثية» لكن من نوع خاص جدا؛ بعيدا عن سيرة كل منهما وما عاشاه في الواقع المرجعي.
وما يميز هذا «التخيل» أنه يضعنا إزاء شخصية «تخييلية»، تعقد بينه وبينها أواصر قرابة «عراقية» و»عربية» مخصوصة، بمعزل عن تطابق «الهوية» العادي بين شاعرين ينتميان إلى البلد نفسه.
أما «نشيد الأنشاد [الأناشيد]» فينسب إلى النبي سليمان، لكن جميع المفسرين يؤكدون أنه سليل قصائد شفهية قديمة؛ ثم كتب أو دوّن بعد عدة قرون، ويرجعون تاريخه في الأرجح، إلى القرن الرابع قبل الميلاد.
وهو نص شعري يضم 117 بيتا [آية] تحكي قصة حب بين راعية شابة وراع شاب أو ملك؛ ويستخدم في جل فقراته أو مقاطعه لغة الحب «الحسي»، وينزع إلى الكشف عن علاقة بين الرجل والمرأة، وربما بين الله والإنسان.
وهذا مما يثير قدرا من الاستغراب من حيث اختلافه عن مضامين «الكتاب المقدس»، إذ يتعارض و»ظاهر» النشيد» في نبرته الحسية التي لا تخفى؛ بل هو لا يستحضر الإله إلا في صورة واحدة ترد غامضة ملتبسة.
وليس في مقالي ما يسوغ الخوض في هذه الآراء المتناقضة، حيث تتواجه طائفتان من المفسرين: الآخذون بمعنى صوفي باطن ينطوي عليه النشيد، أو اتحاد صوفي بين «إسرائيل وإلهها» بعبارتهم.
وهؤلاء يحمّلون النشيد تأويلاتهم الغريبة حقا، فالقبلات والوجه والنهود والبطن والفخذان والسيقان، ما هي إلا إشارات إلى «ملحمة إسرائيل التاريخية»؛ بل يؤولون صدر المرأة المذكور في النشيد على أنه ألواح التوراة، أو الملابس الكهنوتية، والعطور على أنها الفضائل والخمر على أنها سر حياة الله الخفية والتلذذ ليس تشهي الإثم، وإنما هو تأمل لا ينتهي، في حب الخالق بلا حدود.
أما طائفة المتحررين من لَبوس الدين فيرون في النشيد بعدا رمزيا، في «قصة حب» بين ملك وراعية.
بل منهم من يحملها على نوع أو جنس؛ فهي دراما وميلودراما وكوميديا، وحتى أوبرا، فضلا عن كونها قصيدة «جنسية غزلية» بل «شهوانية ماجنة».
وليس من شواغلي البحث في أصوله، وهل هو بابلي أو على صلة بعشتار وتموز، ثم نُقل إلى العبرانية.
فهذا موضوع له أهله.
إنما يعنيني هذا الطابع المسرحي فيه، حيث تضطلع ثلاث شخصيات هي: الراعي والراعية والملك سليمان، أو (هو وهي والجوقة) بأداء الأدوار الموكولة إليهم؛ في جمل موقعة تجمع بين الملحمي والسردي؛ ما يتيح لصاحب النص أن يتصرف في حركات المد والتنقل، من اطراد إلى استطراد، وإحكام «مباغتة» القارئ أو إذكاء عنصر المفاجأة، على نحو ما نجد في الطبعة الأولى لـ»انتظريني عند تخوم البحر» وهي مكتوبة بخط اليد.
ولعل قول أنسي الحاج في تخريجه لـ»نشيد الأنشاد» إنه نص يحوي من حيث هو مسرحية وصلاة وحكاية، خصائص الشعرية والجنسية والصوفية، مما يستوقفنا عند الصائغ؛ وهذه تجري بنسبة، أو بأخرى في «انتظريني عند تخوم البحر»، إذ يبدو الصائغ كمن يسعى إلى أن يكون للعربية «نشيد أناشيدها هي أيضا» خاصة أن أوصاف المرأة في «النشيد» مثل «أدهانكِ فوق جميع الأطياب/ شفتاكِ تقطران شهداً أيتها العروس/ تحت لسانكِ عسل ولبن/ أختي عروسي جنة مقفلة/ ينبوع مقفل وعين مختومة/ أغراسكِ فردوس رمان».
لا تختلف عميقا عن أوصاف المرأة في الشعر العربي القديم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك