«كان يا ما كان» هو أغرب مسلسل درامي في رمضان 2026، ولا يعني ذلك بالضرورة أنه سيئ أو جيد.
فالغرابة قد تكون عيباً حين تنتج عن ضعف في صناعة العمل، وقد تكون ميزة حين تنتج عن وعي وهدف يقصده صناع العمل.
ومكمن الغرابة في «كان يا ما كان» أن أسبابها وأهدافها غير واضحين بالقدر الكافي.
منذ الحلقة الأولى التي تطلب فيها زوجة من طبقة متوسطة «سعيدة»، تحظى بزوج طيب، ناجح في عمله كطبيب أطفال، ولديها ابنة جميلة متفوقة دراسياً ورياضياً، وفجأة، من السماء الصافية out of the blue، كما يقولون، تغادر الزوجة البيت في يوم عيد ميلادها، ثم تعود لتجد العائلة كلها متجمعة للاحتفال بعيد ميلادها، وهي كئيبة كحجر صوان، ودون أي اعتبار للظرف أو للذوق العام، تطلب من زوجها المحب أن يطلقها وسط كل الضيوف!
الغريب هنا ليس في سلوك الشخصية، بقدر غياب المبررات الدرامية بل وعدم سوق الزوجة لأي مبررات لسلوكها حتى لو كانت غير مقبولة.
لا يقتصر الأمر على شخصية الزوجة، ولكن المسلسل بشكل عام لا يتخذ موقفاً واضحاً من الشخصيات وسلوكها، تاركاً للمشاهد محاولة فهمها وتقييمها.
وهذا نوع من الكتابة غريب علينا، ولا يستوعبه معظم جمهورنا، الذي يرغب في مشاهدة شخصيات «نمطية» واضحة وضوح الشمس، بيضاء أو سوداء، يعرف من اللحظة الأولى إذا كان سيتعاطف معها أو يكرهها.
ووسط الميلودرامات الفاقعة التي يحفل بها الموسم، يبدو «كان يا ما كان» كائناً فضائياً غريباً، من جنس آخر غير المسلسلات التي نعرفها.
الكثيرون علّقوا على مواقع التواصل وغيرها بأن المسلسل يقدم شخصيات غير سوية، وغير مثيرة للتعاطف، النساء منهم قبل الرجال، وهو ما يثير غرابة إضافية لأن كاتبة المسلسل امرأة، هي شيرين دياب.
وهي بالمناسبة مؤلفة ممتازة، سبق لها كتابة أعمال متميزة مثل «أشغال شقة» الأول والثاني، و«تحت الوصاية»، وهي أعمال واضحة النوع والمعالم، تختلف كلياً عن «كان يا ما كان».
لا أتفق مع الرأي القائل بأن المسلسل يقدم نماذج بشرية مشوهة.
في الحقيقة، هؤلاء هم البشر فعلاً، بعيداً عن النماذج البشرية التي نراها في الأفلام والمسلسلات.
البشر يصعب فهمهم أو تفسير دوافعهم أو فهم أفعالهم وردود أفعالهم.
ومن حق المؤلفة أن ترى ذلك وتحاول التعبير عنه ضد المألوف والمعتاد.
وأي قارئ يمكنه استدعاء بعض الشخصيات القريبة منه وسوف يكتشف أن أغلبهم، مثل شخصيات العمل، غير قابلين للفهم أو التصنيف.
على العكس أرى أن هذه نقطة تُحسب للمسلسل، وكان بإمكانها أن تجعله واحداً من أفضل الأعمال لهذا العام والأعوام السابقة.
المشكلة في تصوري تكمن في أن المخرج كريم العدل ربما لا تناسبه هذه النوعية من الأعمال التي تتطلب «بروداً» ومسافة بين الكاميرا والممثل ومسافة بين الممثل وشخصيته، والحرص في استخدام الموسيقى والمونتاج لإعطاء حالة الالتباس والغموض التي تحيط بالجنس البشري، وتجعل منه كائناً غير قابل للفهم، بالرغم من كل محاولات المسرح والأدب والسينما لجعلنا نفهم أنفسنا.
شخصيات المسلسل بطبيعتها طيبة وعادية، ولا تحمل شراً مضمراً، ربما باستثناء خطيب الأخت الانتهازي، بالرغم من أن لديه ظروفه الصعبة التي تدفعه إلى تلك الأفعال الوقحة.
ولكن هذه الشخصيات الطيبة يمكن أن ترتكب أفعالاً سيئة، وأن تسيء لبعضها البعض، وتحول طلاقاً هادئاً ومتحضراً إلى دمار شامل للعائلة وأفرادها.
الفكرة رائعة، وكتابة شيرين دياب ذكية.
ولكن ربما تكون المشكلة في أن الغرابة نفسها تحتاج إلى أسلوب وتقنيات واضحة للتعبير عنها، وربما هذا ما يجعل غرابة العمل غريبة! بمعنى أن المشاهد كان يحتاج إلى أن يعرف أنه لا يشاهد مسلسلاً اجتماعياً عادياً من قصص الزواج والطلاق التي تمتلئ بها الشاشات، ولكن عملاً يتأمل النفس البشرية في غموضها واستعصائها على الفهم.
وهي فكرة رائعة من سوء الحظ أنها لم تصل إلى الكثير من المشاهدين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك