حفلت الرواية العربية منذ نشأتها وإلى يومنا هذا، بكثير من الأنماط السردية، متنوعة الأشكال والمستويات والاتجاهات والأفكار، عبرت عن واقع البيئة الاجتماعية، خاصة في المدن العربية، ورصدت في سردياتها المتنوعة التغييراتِ الهائلة التي طرأت عليها، متوازية في طروحاتها بين النمو الديموغرافي، والتبدلات الاجتماعية، والتباينات الثقافية، وسجلت أيضا النمو العمراني للمدن، وانتقال العائلات المدنية الأصيلة من الأحياء القديمة إلى الأحياء الجديدة، وما أصاب هذه العائلات من تبدلات، وتفاعلها مع قضايا الوطن.
وهو ما يفتح المجال لقراءة الرواية العربية في منظور عمراني سوسيو ثقافي، بحثا عن التفاعل بين العمران والإنسان، فطبيعة المدينة العمرانية: الشوارع والأحياء والأزقة والبيوت والميادين، وطبيعة المهن التي يشتغل فيها أهلها، تختلف وتؤثر على نوعية الشخصيات وسلوكها وطريقة تفكيرها، وبعبارة أوجز: فإن المكان في المدينة ينعكس على الإنسان، مثلما أن الإنسان يساهم في صنع المكان والحدث.
لقد انعكست خصوصية المدينة العربية على البنى الروائية، وشكلت عنصرا مهما في التكوين الجمالي؛ فقد وظّف الروائيون العرب أنماط العمارة، وحققوا أهدافا فنية وسردية جوهرية في رواياتهم، بل إن الأساليب السردية، ميزت في أوصافها بين الطبيعة العمرانية في المدن العربية، واستطاعت أن تعبر عن الثقافات العربية المحلية في اختلافاتها بين المدن.
فقد اختلفت حارات نجيب محفوظ في وصف القاهرة القديمة، عن ديوانيات وأحواش عبده خال في مدن الخليج، وعن أبراج هاني النقشبندي وناطحات سحابه في مدينة دبي، وعن بيوت القرية الطينية في سرد الطيب الصالح، أو تطوان البيضاء ومراكش الحمراء في روايات المغاربة أمثال محمد شكري ومحمد زفزاف وسالم بن حميش.
وهو ما عبّر عنه نجيب محفوظ، حين قال: الواقع والحياة كلاهما ملهم الكاتب.
تفاعله مع بيئته، والناس، والثقافة السائدة، هو ما يكوّن رؤيته وشخصيته.
عندما يكتب الكاتب رواية، ما الذي يفعله؟ يأخذ هذه العناصر ويعيد تكوينها لتعطي معنى.
الرواية ترجمة فنية للحدث والواقع.
وهي مقولة بسيطة، ولكنها تعبر عن تحرره من عباءة الرواية الغربية، التي أبدع من خلالها نصوصه، وسعى إلى التمرد عليها، والبحث عن التجديد في الشكل.
والمقصد من كلامه أن الروائي يمتلك الموهبة والأدوات ويختمر الشكل في ذهنه، ومن ثم يحول القصة إلى بنية فنية روائية تتفق مع وجهة نظره.
فلا يمكن قراءة روايات نجيب محفوظ، من دون النظر إلى تاريخ القاهرة العمراني، بل يجب دراسة هذا التاريخ، وما تميزت به القاهرة في بيوتها وحواريها، كي نفهم الدقائق والتفصيلات التي زخرت بها روايات محفوظ، وكانت خير معين في التسجيل الوصفي لعلاقة الإنسان بالعمران في القاهرة القديمة.
لقد عشنا في ثلاثيته مع البيت القاهري القديم؛ بساحته الواسعة، ونوافذه ذات المشربيات، وأسطحه التي فيها غرف الغسيل وعشش الدجاج، كذلك الفرن البلدي، والعيش الساخن، وعمارة البيت الداخلية، فغرف النوم في الأدوار العليا، بينما المجلس العائلي في المدخل.
وتصميم البيت نفسه، نابع من الروح الإسلامية، التي تمنع كشف حرمة البيت لدى المارة في الشارع، أو الزائرين، بدءا من المطرقة على الباب الخشبي الكبير، مرورا بالدهليز في المدخل.
بينما تعطي أهل البيت من النساء والبنات كامل الحرية في الحركة صعودا ونزولا، من دون أن يتلصص عليهن أحد، مع الأخذ في الحسبان طبيعة المجتمع القاهري وقتئذ، من خلال النظام الأبوي، الذي يضع الأب في منزلة سامقة، والكل خاضع له، ويظهر الأم طيبة مطيعة، مدبرة لشؤون بيتها، وراعية لأولادها، بل إننا رصدنا في عالم نجيب محفوظ التطور العمراني الذي حدث في القاهرة، من خلال انتقال أبناء عائلة السيد أحمد عبد الجواد من حي بين القصرين الشعبي، إلى حي قصر الشوق، ثم مع الأحفاد في حي السكرية، ورأينا وصفا دقيقا لبيوت الأغنياء والموسرين، وطبيعة النظام الاجتماعي لديهم، كل هذا إلى جانب الأحداث المتوالية للعائلة، وأيضا تفاعل أبناء العائلة مع قضايا الوطن، ومع التغيرات السياسية والاجتماعية التي حدثت في مصر، وأبرز الاتجاهات الفكرية التي سادت.
كما عبّر عالم نجيب محفوظ السردي عن السلطة الأبوية التقليدية، التي رأيناها في شخصية «سي السيد» في المنزل، وتعادلها الطاعة العمياء لأهل الحكم والسلطان.
تلك السلطة التي تلاشت بشكل كبير الآن، مع المجتمع الجماهيري، حيث ظهرت الأسر الصغيرة، وصار الفرد في المدينة الحديثة، مجرد ذرات وسط ملايين الناس، يتم التعرف عليه من خلال مؤهلاته التي يتقدم بها للوظائف، أو تكون في سيرته الذاتية المهنية، إلى جانب بقية اللصقات الخارجية المتعلقة بهوية الفرد، فتعاظمت الفردانية.
ومن هنا، يمكن القول إن الرواية تتشابه في بنيتها السردية مع العمارة التي تعبر عنها، فالمكان هو مسرح الأحداث، وهو بمثابة المنصة أو خشبة المسرح التي تقف عليها الشخصيات، وتتفاعل مع بيوتها في داخلها وخارجها، فإحدى دعائم الرواية هي قيمة المكان وقدرته على إيجاد ساحة التفاعل بين الإنسان والحدث.
فالمدينة القديمة كانت البيوت تجمع العائلة الكبيرة: الجد، والأبناء والأحفاد، أما المدينة الحديثة فهي مصممة على الشقق السكنية، حيث الأسرة الصغيرة، محدودة العدد، أو العيش بلا أسرة، أو الأمهات بلا أزواج، أو الرجل وصديقته كما هو في الغرب، ما ينعكس على وعي الروائي، فهناك روائيون يكتفون بالكتابة البصرية، التي لا تتخطى الوصف المادي للمكان: الأثاث، البيت، الشارع، وهناك من يغوص في الشخصيات، ويعرض تفاعلها مع المكان، وكيف أن كل جزء من المكان يعيش في أعماق الشخصيات، على هيئة ذكرى، وهذا ما يميز أعمال نجيب محفوظ، فالقاهرة ليست مجرد وصف مكاني يصوغه في رواياته، إنها شخصيات عاشت في أمكنة، وكانت شاهدة على أحداث وقعت فيها، وأثّرت في نفوسها، ولم يندثر المكان من نفوسهم، بل ظل يحيا فيهم، حتى وهم يتنقلون من حي إلى حي، مع مرور السنين.
وهناك روايات عربية، قدمت المدينة على أنها نموذج للعيش الكريم، والخدمات المتوافرة، فظهر المكان كأنه عالم مثالي، البيوت فخمة، والشوارع لامعة، والأسر ميسورة، والأبناء والبنات في أفضل المدارس، وتكمن المشكلة في صراعات النفوس، والعائلات، وقصص الحب، وأزمة الفرد.
وخير نموذج على ذلك رواية «السراب» لنجيب محفوظ، فالبطل يعيش في أسرة ميسورة الحال، الأم مطلقة منذ سنوات طويلة بعدما قضت أسبوعين فقط في منزل زوجها، الذي عاد إلى السكر والعربدة، ولم يستطع التوبة كما وعدها، فعاشت الأم والابن، الذي ولد بعد ذلك مع الجد المتقاعد عن رتبة كبيرة في الجيش.
وتبدو القاهرة فيها من خلال حي المنيل الراقي، حيث تربّى الطفل في كنف الجد، الذي راح يدلعه، والأم التي تعلقت به بشدة، ورفضت الزواج من أجله، فنشأ الولد مدللا، عنيدا، ثم تتطور الأحداث لتعالج عقدة أوديب، حيث الولد عشق أمه وجمالها، واختار فتاة تشبه أمه، فعجز عن القيام بمهام الزوجية.
ولعل المفارقة في هذا الشأن، أن الروائي لديه – غالبا- واقعا يعيش فيه، ولا يغادره إلا قليلا، وهو يرتبط بنشأته وسنوات تكوينه الأولى، بما يمكن أن نسميه الحقبة الحميمية في حياته، إلى جانب التجارب والشخصيات التي عاشها عن قرب، وتفاعل معها، وأثّرت فيه.
فنجد مثلا أن كثيرا من الروائيين تكاد تكون رواياتهم مقتصرة على الريف، مثل محمد عبد الحليم عبد الله، فالريف هو العالم الأثير عنده، يصوغ منه موضوعاته، ويحمله أيديولوجيته، ويجعل من شخصياته حاملة لأفكاره، ورموزا لمعان يريد توصيلها للقارئ.
والأمر كذلك في المدينة، فعالم نجيب محفوظ يقتصر تماما على القاهرة المدينة والمكان والإنسان والقضايا، لأنه ابن للقاهرة القديمة، بكل عبقها وزخمها والصراعات التي تمت على ترابها.
وهناك فئة كتبت عن الريف والمدينة، وفق الخبرات والتجارب التي مرت بهم، فعادة ما يكتب الروائي عن الخبرة التي عاشها، وتفاعل معها، وعرف خصائصها وتفصيلاتها، وعايش شخصياتها عن قرب، بل إن بعضهم كان يواصل متابعة التطورات في الريف والمدينة، غير مقتصر على حقبة زمنية عايشها في طفولته وشبابه، بل هو راصد متابع مسجل، بما يدفعنا إلى قراءة مسيرة الروائي وإبداعه، في ضوء تتابع سنوات عمره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك