عاش المربي الأستاذ عيسى بوسام، رحمه الله، الرجل الشَّموخ (بفتح حرف الشين) والشَّهوم (جمع شهم) بين الناس الذين خالطهم من دون تصنيف كالأرض الدمثاء التي لا ترى فيها قحولة ولا مُحولة، والتي لا تخرج من بطونها الدافئة إلا الزروع الطيبة التي تزين الطبيعة وتسقي الضروع.
وسار بينهم سير العطوف الحنون كالريح المرسلة التي تسوق السحب وتجريها إلى حيث يتكثف ماؤها وينزل غيثا زلالا، عذبا وسلسبيلا.
من العادة، إن السلوان والنسيان يطفئان جمرات وحرقة فقدان الأعزاء من الإخوان والخلاّن.
بيد أنهما، في هذه المرة، أراهما عاجزين حتى عن تخفيف لظى الاكتواء، ذلك لأن الفقد، في هذه المصيبة، أصابنا بخسارة لا تحتمل، فهي خسارة في الأخوَّة، وخسارة في الصداقة، وخسارة في الأدب الشريف المستقيم، وخسارة في الخُلق القويم، وخسارة في خدمة الوطن، وخسارة في الذود عن حماه في أشرف ساحاته وأطهرها، وهي ساحة التربية والتهذيب التي كان الأستاذ عيسى بوسام أحد جنودها البواسل الكبار المرابطين فيها عشقا واقتناعا، وخدمها خدمة العريف (ليس بالمعنى المتداول والمعروف) البصير.
ولم يضع سيفه وترسه للدفاع عنها حتى آخر نفَس من أنفاسه، فقد مات أستاذنا عيسى بوسام وعلى شفتيه أنشودة التربية ذات الرنين الحزين والأنغام القلقة وفي قلبه أشياء كثيرة عن التربية لم يبح بها.
عمل الأستاذ عيسى بوسام، وهو منظّر تربوي يجمع بين عمق الأفكار والجرأة في تشخيص العلل والأسقام، عمل على خدمة التربية حتى يظل صرحها في وطننا كالشمس المشرقة في صباح يوم صاف، وكالقمر المنير الذي يضيء كل الأركان في ليلة صحو.
ولكي ترسم معالم المستقبل الزاهر للأجيال، وتحافظ على قيّم هُويتنا من دين ولغة وتاريخ مشترك وتراث خصب وتقاليد وجميل عادات ومواطنة سمحة مؤسسة على الاحترام المتبادل والأخذ والعطاء والمعرفة والتعارف والاعتراف.
أمضى أستاذنا وأستاذ الجيل عيسى بوسام سنوات عمره مربيا نزيها، ومقاوما صلبا واقفا في ثغور التربية، وصائنا لحرمتها وقداستها بلا تـأوُّه ولا تهاون ولا أنين.
ولم يكن يرضى بخدشها ولو همزا ولمزا، فما بالك برميها بالصفات المخجلة المعيبة والتهم الجارحة.
عمل الأستاذ عيسى بوسام، وهو منظّر تربوي يجمع بين عمق الأفكار والجرأة في تشخيص العلل والأسقام، عمل على خدمة التربية حتى يظل صرحها في وطننا كالشمس المشرقة في صباح يوم صاف، وكالقمر المنير الذي يضيء كل الأركان في ليلة صحو.
ولكي ترسم معالم المستقبل الزاهر للأجيال، وتحافظ على قيّم هُويتنا من دين ولغة وتاريخ مشترك وتراث خصب وتقاليد وجميل عادات ومواطنة سمحة مؤسسة على الاحترام المتبادل والأخذ والعطاء والمعرفة والتعارف والاعتراف، وأراد لها أن تكون ابنة عصرها على أديم هذه الأرض من حيث مضامين المناهج وطرائق التدريس والمقاربات الأدائية في الأقسام بشرط ألا تنسلخ عن ماضيها، وتدير له الظهر متنكِّرة.
سار الأستاذ عيسى بوسام بين صفوف أهل التربية الذين يعرفون قدره تواقا إلى العلا والرفعة والشرف، ومتعففا عن السفاسف والتوافه، ومبتعدا عن النظر إلى الحضيض، ومشرئب العنق متابعا النجوم في عنان السماء.
فكم سما الأستاذ عيسى بوسام في نظراته إلى التربية؟ ؟
أقولها صراحة ومن دون مداراة أو مماراة، كم امتعضت لما وجدت من يحاول الاستثمار الممقوت والبشع في اسم الأستاذ عيسى بوسام في صبيحة يوم غيابه، وأراد أن يقطف من جدائل أمجاده البهية جديلة يزيِّن بها جبين إحدى نقابات التربية التي ينتمي إليها، وأن يوظف سمعته النقية في غسل سخامها وتلميع دكانتها والتغطية عن انزلاقاتها وانحرافاتها.
وللتاريخ، أذكر أنني عشت إلى جنب الأخ عيسى بوسام أزيد من عشرين سنة، ولم أسمعه يمتدح نقابة من نقابات التربية.
بل كان كثير الانزعاج لما تقدِم هذه النقابات في تهور على غلق أبواب المدارس وعلى حرمان المتعلمين من نعمة العلم ونوره؛ لأن الرجل كان يعرف قيمة الوقت في التعليم، ويدرك جسامة الخسارة لما تضيع من عمر المتعلم في المدرسة حصة واحدة، ويُهدر وقتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك