ليس لدي شيء جديد أقوله عن الحرب.
الأمر الوحيد الذي يمكنني أن أقوله هو أني لا أعرف.
ها أنا قلت هذا.
أقرأ كل الأنباء والتحليلات، أشاهد التلفزيون نحو 24 ساعة في اليوم، أسمع محللي الأستوديوهات، والمحللين الذين يحللون محللي الأستوديوهات، هذا الاستديو المحمي وذاك غير المحمي، مواقف المراسلين المكشوفة على الأسطح ونزلاء مواقف السيارات الذين لسبب ما يبدون حصانة غير عادية إذا راعينا الركض المتواتر إلى المجال المحصن.
أقرأ، أسمع وأرى، هذه المواقف وعكسها.
وباستثناء إحساس قوي بتكرر ما يحدث، لا أشعر بشيء.
هذا هو التعريف.
لا أشعر بشيء ولا حتى بالخوف.
لا أعرف إذا كانت هذه الحرب جيدة لنا أو إذا كان التغيير الذي نتطلع له سيأتي يوماً.
لا أعرف إذا كانت هذه الحرب محتمة أم نتيجة سلسلة قرارات كان يمكنها أن تنتهي بشكل مختلف.
هل هي محقة أم أن الحرب ليست محقة في أي مرة مثل الاتفاق الذي يمنعها.
كما أني لا أعرف إذا كان نتنياهو محقاً حين دفع ترامب إلى حرب لا يريدها معظم الشعب الأمريكي.
وهل هي نافذة فرص، مثلما يدعي محللون لن تتكرر مرة أخرى أم ربما تعبير “نافذة فرص” تلقى فرصته منذ زمن بعيد؟ شيء واحد أعرفه، وهو أن ليس لي ثقة بهم.
بحكومتنا.
بقيادتنا.
الدولة يمكنها أن تتحمل كل قرار أمن إذا كان الجمهور يؤمن بأن القرار اتخذ لاعتبارات أمنية طاهرة.
الدولة يمكنها أن تتجند، تقاتل، تدفع أثماناً، إذا اتضح لها بأن من يقودها يفعل هذا دون حساب شخصي، دون رزنامة سياسية، دون حسابات البقاء السياسي.
لكن عندما تتحطم الثقة، يبدو كل صاروخ كأحبولة إعلامية.
كل إحاطة أمنية تسمع كجزء من حملة انتخابات.
كل إعلان دراماتيكي يفحص حيال العدو بل وحيال الاستطلاعات.
المشكلة ليست بالضرورة في القرار للخروج إلى خطوة عسكرية كهذه أو تلك.
المشكلة أن الجمهور يسأل نفسه: هل تم هذا حقاً لأنه لا بديل آخر؟ حاجة أمنية أم ائتلافية؟ هل التوقيت عسكري أم سياسي؟ وحين تتعلق هذه الأسئلة في الهواء، لا تعود الأجوبة هامة.
وجودها وحده يهز الثقة.
ولعل السؤال الصحيح هو ليس هل الحرب محقة، بل هل من يديرها جدير بالثقة؟في الأيام الأخيرة، أتلقى أشرطة مسجلة من الغرف الأمنية.
هذه الأشرطة تذكرني بالعام 1991، حرب الخليج، عشية عيد “البوريم” (المساخر)، حين كنا أهالي لأطفال صغار ونمنا معاً في غرفة غير محصنة، إلا إذا كانت تسمي تحصيناً تلك الخرق المبللة بالكلور والأشرطة اللاصقة التي ألصقناها على النوافذ وبصعوبة نجحنا في إزالتها بعد الحرب.
في حينه، اعتقدناه تحصيناً.
من يدري لعلنا سنضحك هكذا على الغرف الأمنية هذه المرة، كيف فكرنا بأنها تحمينا، وكيف سقط صاروخ في بيت شيمش في حرب إيران الثانية، وأصاب ملجأ وقتل 9 أشخاص.
وأي خيبة أمل كانت أن نكتشف ما عرفناه في أنه لا تحصين كاملاً، وأن الغرفة الأمنية أو الملجأ لن يكونا محميين حتى لو كانا تحت كنيس.
الصواريخ لا تميز بين معهد وايزمن وبيت صلاة.
في حرب الخليج جلسنا مرتدين كمامات الكيماوي.
خفنا لكننا آمنا بأن التجلد استراتيجية، وأن الاعتبارات نقية، وأن القيادة ترى الدولة وليس نفسها.
كان هناك خط فاصل واضح بين الأمن والسياسة.
لم يسأل أحد إذا كانت الصواريخ تسقط بتوقيت مناسب لرزنامة شخصية.
لكن في حينه، كان رئيس وزراء آخر، قيادة أخرى.
صحيح أنها كانت حكومة يمين، لكن رئيس الوزراء إسحق شامير الذي لم يشك أحد في أن قراراته تتخذ في غرفة استشارة استراتيجية انتخابية وليس في غرفة عمليات.
فهذه ليست مسألة يمين ويسار، بل مسألة ثقة.
الدولة قد تنجو من خطأ عسكري، لكن يصعب عليها النجاة من قيادة الجمهور أو نصفه على الأقل ليس واثقاً بدوافعها.
أرى الآن الأشرطة المسجلة من الغرف الأمنية، الأطفال يبدون فرحين بالضبط مثلما في حينه، مثلما بدا أهاليهم عندما كانوا في أعمارهم، مثلما بدا الأطفال دوماً عندما حظوا بدلاً من التعليم فرصة للاحتفال مع الأصدقاء.
أتذكر من كل الحروب والأوضاع إحساس النشوة الأولي، حين بدا كل شيء يسير كما ينبغي.
ثمة نجاحات، انتصارات، وجنرالات الأستوديوهات يتحدثون عن “إنجازات” أو عن خطة “تاريخية”.
الشبكات تمتلئ بالأعلام، لكن كل من يعيش هنا على مدى السنين يعرف أن النشوة الإسرائيلية مخلوق قصير الحياة؛ بضاعة متآكلة، قد تصبح في كل لحظة خيبة أمل، والأسوأ من هذا إحساس بالخدعة، مثلما شعرنا في هذه الأيام، بعد أن أوهمونا بأنهم دمروا النووي، وانتصرنا، كانت إنجازات غير عادية.
اعتقدنا أننا أبعدنا الحرب مع إيران لسنوات طويلة.
وها نحن، بعد ثمانية، تسعة أشهر نخرج إلى حرب على الأهداف ذاتها التي زعم أنها تدمرت.
اليوم التالي لن يأتي غداً، لن يأتي مع مؤتمر صحافي ولا مع صورة نص، بل سيـأتي ببطء، بعد أشهر، ربما سنين.
عندها فقط سنعرف ما الذي حققناه وما الذي دفعناه.
لكن شيئاً واحداً يجب أن يكون واضحاً: لا يمكن لمعركة مستقبلية ولا مواجهة مع إيران أيضاً أن تنظف إخفاق 7 أكتوبر.
حرب جديدة حتى لو كانت محقة، هي أيضاً ضرورية، حتى لو كانت ناجحة – لا يمكنها أن تطهر المسؤولية.
لا يمكنها أن تجعل إخفاقاً ملاحظة هامشية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك