مكتبتنا الإسلامية التراثية غنية وثرية ومتميزة في أحد فروع العلم المتميزة والباعثة على النهضة والتقدم، ألا وهو مجال الأدب الشرعي أو السياسة الشرعية والأخلاق، وعند المطالعة تظهر أمامنا خريطة متميزة تتوزع على عدة مسارات، ونقف اليوم عزيزي القارئ مع كتاب «أدب الدنيا والدين» للإمام أبي الحسن الماوردي «450 هجرية»، حيث يعد بمثابة الدستور الأخلاقي في المكتبة الإسلامية وهو كتاب لم يزاحمه في مكانته مؤلف آخر منذ قرابة ألف عام.
ليس كتاباً للقراءة بل دليل بناء الشخصية المتزنة، يعلمك كيف تكون متديناً بذكاء وناجحاً بفضيلة، يعالج الانفصام الذي قد يقع فيه البعض بين الصلاح التعبدي والفشل الاجتماعي ليصهر الاثنين في بوتقة واحدة تسمى «الأدب»، كما تتمثل مكانة الكتاب في الجزالة الأدبية، فـ«الماوردي» ليس فقيهاً فحسب بل هو أديب من طراز رفيع لذا نجد نصوص الكتاب مطعّمة بأجمل أشعار العرب وحِكمهم مما يجعل القراءة فيه ممتعة لا يملها القارئ، كذلك المنهجية العلمية فالكتاب مرتب بشكل هندسي دقيق يبدأ بفضل العقل كأداة للفهم، ثم أدب الدين كإطار التعبد، ثم أدب الدنيا كفنٍّ للتعامل وصولاً إلى أدب النفس وأدب العشرة، أيضاً هناك الواقعية والشمول وتوازن نادر في معالجة الموضوعات فهو يخاطب الإنسان ككائن يعيش في مجتمع «الدنيا» ويسعى لرضا خالقه «الدين».
تكمن قيمة الكتاب العلمية والتراثية في المرونة الفكرية، لا يقدم أحكاماً جامدة بل يقدم «آداباً» مرنة تراعي اختلاف أحوال الناس وطبائعهم مما جعله كتاباً عابراً للقرون، قُرئ في القرن الخامس الهجري ولا يزال مهماً لنا في القرن الخامس عشر، كذلك توطين القيم الاجتماعية لأنه ناقش تفاصيل دقيقة في الاجتماع البشري مثل اختيار الأصدقاء آداب التحدث وإصلاح المعاش مما يجعله مرجعاً أساسياً في علم الاجتماع الأخلاقي، وصناعة العقل الرشيد ليس فقط لفكرة أن العقل هو الحاكم على التصرفات، فـ«الماوردي» أول من أسهم فى شرح كيف ينمو العقل ويقود الإنسان للنجاح الدنيوى قبل النجاة الأخروية.
كما يعد الكتاب حديقة غناء فسيحة جداً لا يمكن زيارتها بكاملها والتجول في طرقها ودروبها في زيارة واحدة، لكن كما يقولون يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ولذا سنكتفي باقتطاف بعض الورود الجميلة الذكية من هذه الحديقة الغناء.
لماذا الأمل مهم وضروري؟ يقول «الماوردي»: «لولا الأمل الفسيح لما بنى بانٍ جداراً ولا غرس غارس شجراً»، هو يدرك رحمه الله أن الإنسان لو فكر بمنطق «الأنا»، واللحظة الراهنة فقط لتوقف عن العمل بمجرد إشباع حاجته اليومية، لكن «الأمل» هو الذي يدفعه لبناء المؤسسات وغرس أشجار لن يأكل منها هو، بل ستأكل منها الأجيال القادمة، فالأمل محرك اقتصادي أيضاً، اعتبر «الماوردي» أن انقطاع الأمل يؤدي لخمول الهمم ومن ثم انهيار العمران، والواقع المعاصر الآن تعاني الكثير من مجتمعاتنا من اليأس وقصر النفس مما يدفع الشباب للبحث عن الربح السريع أو للهجرة بدلاً من بناء مشاريع استراتيجية طويلة الأمد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك