الشاب الذي غادر قريته إلى المدينة وجد هناك عدة طرق تقود إلى الله.
وهذه الطرق تنازعته، إذ راح كلّ منها يشدّه إليه.
كان اوّل من قرّبه إليه منها المؤذّن الأخ يونس، الذي استقبله مفسحا له في غرفته في منارة الجامع.
آخرون بينهم معلّموه في مدرسة المدينة، أحسنوا استقباله أيضا.
كان يُتلقّف من هؤلاء وأولئك وتُفتح له أبواب البيوت، داعيا كل منها إلى طريقه في معرفة الله.
هي خمس طرق، كما في الموجز الصغير على الغلاف الخلفي للكتاب (هي السلفية والأخوان المسلمون والتبليغيون وأصحاب الحق والصوفيون).
لكل منهم طريقه إذن، وهم، دائمو التحاور في شؤون الدين والعباداة والإيمان وأصول الإعراب وعلوم السرّ، كما في مسائل أخرى تخطر في أذهان من قرأوا كتاب الله، مازجين معها خيالاتهم ومخاوفهم.
لكن، حسب ما يروي ذلك الشاب القادم من قريته، لا يبدو هؤلاء متناحرين في ذلك.
وهو ذكر نقلا عن لسان مضيفه الأخ يونس، أن هذا الأخير حضر مساجلة تقافز فيها السلفيون والأخوان المسلمون على المنابر وسمع فيها الناس الهرج والمرج بين الطرفين، «غير ان الأخطر لم يلاحظه أحد، وهو أن كل طرف صار يتجلّى في الآخَر، وأن «الخصمين اللدودين إذا نظرت إليهما بطريقة ما سيتداخلان عليك».
كما ان هناك مسائل أخرى بلغها المتحاورون بينها التنافس حول إعراب جمل، أو كلمات من القرآن، وعلى أي مقام يُرفع الأذان وصولا إلى مسائل أكثر خفاء وتعقيدا.
وقد بدا أن المنتمين إلى الطرق حصّلوا معرفة متقدّمة بما يتنازعون حوله، وهذا ما يصنع ميزة الرواية، التي رغم اتصال لغتها الوثيق بما ترويه، لا تتوقّف عن أخذ سردها بالطرافة التي كأنها من طبائع أصحاب العقائد.
من ذلك مثلا وصف لمحنة ملائكة ثلاثة للموت كانوا يتقافزون من قرية إلى قرية «وكلما أرادوا ان يقبضوا روحا بحثوا عن صاحبها ولم يجدوه» وقد ادى ذلك بأحدهم إلى أن يفكّر لو أن بمقدوره أن يغادر هذا العمل المرهق ليعيش فلاحا على هذه الأرض يزرع وينجب.
أما عن الشاب الذي قصد المدينة ليتعلّم في مدارسها فعاش مثلما يعيش غير المتنازَع بين الجماعات التي تتنازعه.
فهو كثيرا ما كان ينفرد بنفسه غارقا في توهماته حول امرأة لم يعرف إن كانت ابنة أستاذه نبيل أو زوجته.
وهو سعى بالتساؤل المتكتّم إلى معرفة ذلك، لكن هذا التولّه بتلك الفتاة، أو المرأة، لم يلازمه طويلا إذ سرعان ما انصرف عن التفكير فيها، مسقطا هكذا أن تستمرّ في الرواية حكايةٌ لا بدّ أن القرّاء كانوا شديدي الاكتراث بمتابعتها، بل إن ذاك الشاب الحالم صار يتفادى رؤيتها، هكذا من دون سبب، فبدا ذلك، بما خصّ الكاتب، أقرب إلى بتر متعمّد لجانب هو بين الأكثر متابعة من القراء.
بدلا من ذلك ذهب كاتبنا إلى حكاية أخرى كادت وقائعها تحتل نصف صفحات روايته.
هي حكاية مرض جدّته الذي استعصى عليها واستعصت هي عليه بالبقاء حيّة.
في هذه الصفحات بدا الشاب مجرّبا قدرة الجماعات الخمس على شفاء الجدة، وهو تنقّل بها بينهم حتى انتهى به المطاف إلى شمس الدين الأب الصوفي، ليقيم معها في دارته الواسعة.
وهي هناك لم تكفّ عن سرد رواياتها عن تجارب مرّت على نساء في مخادعهنّ، ما جعل المتردّدات إلى دارة الصوفي العارف، يرغبن بسماع حكاياتها فيكثرن من التردّد إليها.
وكانت جدّتي تتوقّف بين وقت وآخر وتطلب منهن أن يروين لها قصصاً، وكانت تقاطعهن لتكمل القصص على طريقتها.
صرن يتبادلن جدّتي».
وقد «غلب الخيال الحكمة» يقول الكاتب معلنا تحيّزه لفنّ جدّته، مجريا الخيال على ارتقائها إلى السماء مرتديّة الخفّ الذي ترغم ابنها غانم على خلعه عند كل دخول له إلى غرفتها.
وقد آثر الروائي الخيال على الحكمة هو أيضا، في كتابه بدا أكثر ميلا للتفكّه والتخيّل منه إلى ما يجري حقيقة في السجال، الذي تخوضه الجماعات الخمس.
ففيما «تستعيد الرواية حقبة التسعينيات في اليمن حين كانت البلاد مشدودة، كأنها على وتر» أدار الكاتب ظهره لمتابعة ما آل إليه ذاك الانشداد لما تأخذه إليه خيالاته المرحة، جاعلا ما يرويه مقطّعا فاقدا للمعنى الأبعد، الذي تسعى الأعمال الروائية للوصول إليه، بل وقد يخطر لقارئه أن يقول إن النصوص المكتوبة بلغة الفقهاء وعلماء اللغة تجنح، عن قصد، إلى أن تكون لعبا للفكاهة باللغة.
«أين أنا؟ » يسأل القارئ في ما هو يقلّب الصفحات معجبا.
ذاك أنه يبحث عن تسلسل في توالي الأحداث ولا يجده، أو لا يجد معناه على قدر استمتاعه به.
*«خمس منازل للّه وغرفة لجدتي» رواية مروان الغفري صدرت عن دار الساقي في247 صفحة لسنة 2025.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك