بحرفية الفنان الواثق بعمله يواصل الخطاط الأمريكي المسلم محمد زكريا تقديم أعمال خطية وزخرفية تنتمي للمدرسة العثمانية المعاصرة، وهو يعتبر من أشهر فناني هذه المدرسة حيث تتلمذ على يدي كبار الخطاطين الأتراك، واللوحة التي أمامنا واحدة من أعماله المتأخرة التي تجلت فيها حرفية ودقة كتابة خط الثلث مراعياً فيها احترامه الشديد للقواعد الكلاسيكية مع حس زخرفي بديع.
كتب محمد زكريا في هذه اللوحة الآية القرآنية «أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ» الزمر -36، التي تتميز بتلك الجماليات الزخرفية التي أحاطت بكتلة النص الديني من جميع جوانبه، وتجلت فيها أصول الزخرفة العثمانية حيث التوريقات النباتية، التي حرص زكريا على تصميمها لتكمل ما في النص من أبعاد روحية ودينية، فالزخرفة هنا، حيث صمم زكريا تلك التوريقات بأشكال متتالية ومتكررة تضيء على جمال وعمق النص الديني، كما أنها لا تطغى على النص بل تخدمه وتؤطره.
اعتنى محمد زكريا في هذه اللوحة بالتكوين الفني، الذي جاء مدروساً بعناية شديدة، تعكس خبرته العالية في ترتيب أو تنظيم العناصر البصرية من أجل خدمة المعنى الذي يجسده النص القرآني، فهو على سبيل المثال صمم تكويناً مركزياً دائرياً يتوسط اللوحة، وهذا الشكل الدائري للنص يرمز إلى الكمال والاحتواء والطمأنينة، ويساعد على توجيه نظر المشاهد مباشرة إلى النص دون تشتيت، كما ظهرت الكلمات مرتبة وفق تدرج بصري، فلفظ الجلالة «الله» جاء في رأس اللوحة ليشكل محور السيادة والقداسة والعظمة، أما بقية الكلمات فتوزعت في أسفل اللوحة بانحناءات متوازنة كما تجلى في الامتدادات الرأسية للألفات واللامات الموجودة في النص كما في «ألف» و«لام» كلمة أليس، وكما هو في كلمة لفظ الجلالة وأيضاً في «ألف» كلمة «بكاف»، وهذا التكوين الحروفي يعطي إحساساً بالسمو والرفعة، كما أنه يمنح توازناً حركياً للحروف المنحنية كما هو ظاهر في اللوحة.
يمكن ملاحظة عناصر التوازن في هذه اللوحة من خلال الكتل السوداء التي تشكلها الحروف والفراغات الدخلية بينها، والفراغات التي صممها محمد زكريا ليست فراغات عشوائية، بل استخدمت كعنصر جمالي يريح العين ويمنع ازدحام التكوين، وقد تجلت في اللوحة كافة عناصر الإيقاع البصري من حيث تصميم الحروف وانحناءاتها، واتجاهاتها، ما خلق إيقاعاً هادئاً ومنتظماً يقود عين المشاهد في حركة دائرية مستمرة داخل اللوحة.
وقد حرص زكريا على الاعتناء بالتكوين الخارجي في اللوحة، فصمم إطاراً مربعاً حول الدائرة ما يضيف ثباتاً واستقراراً ويعمل على موازنة حركة الدائرة الداخلية، كما أن الجمع بين الدائرة (كتلة النص) والمربع (الإطار الخارجي) قد حقق انسجاماً هندسياً رائعاً.
ومن جهة ثانية، فقد لعب اللون المستخدم في اللوحة دوراً واضحاً في التكوين الجمالي، فالنص بحروفه السوداء يرمز للقوة والثبات، كما يرمز اللون الذهبي في خلفية النص إلى النور والقداسة، ورمز اللون الأخضر الذي يطغى على الزخرفة إلى الحياة والسكينة.
ولد محمد زكريا سنة 1942 في مدينة فينتورا في ولاية كاليفورنيا، ويعتبر أشهر خبير أمريكي في فن الخط العربي، درس الهندسة إلا أن حياته تغيرت بعد رحلته إلى المغرب في سنة 1964، حيث أصبح يهتم بالثقافة الإسلامية، وفوق ذلك كله بدأ يهتم باللغة العربية، وبدأ دراسة الخط العربي في 1980، سافر محمد زكريا إلى عدد من البلاد الإسلامية مثل مصر والجزائر وتركيا، ثم في سنة 1984 ذهب إلى تركيا للدراسة مع حسن الجلبي في إسطنبول، وفي 1988 حصل على إجازة منه في الخط العربي، وهو الآن يدرس الخط في مدينة واشنطن، ومنذ مطلع 2001 صدر من مكتب البريد الأمريكي طابع رسمه زكريا للاحتفال بعيد الفطر، وما زال هذا الطابع يصدر باستمرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك