تكشف الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، التي يصفها مسؤولون في طهران بـ“الدفاع الفسيفسائي”، عن تصور مختلف لإدارة الحروب مقارنة بالعقائد العسكرية التقليدية التي تراهن على الحسم السريع.
فبينما تعتمد بعض الجيوش على توجيه ضربة خاطفة لإنهاء الصراع بسرعة، بنت إيران عقيدتها الدفاعية على مبدأ الصمود وإطالة أمد الحرب واستنزاف الخصم الأقوى.
وقد لخّص وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذه الفلسفة بقوله إن بلاده درست الحروب الأمريكية خلال العقدين الماضيين، وحرصت على بناء منظومة عسكرية توزع مراكز القيادة والأسلحة والوحدات القتالية بشكل يمنع انهيار القدرة العسكرية حتى لو تعرضت العاصمة أو القيادات العليا لضربات مباشرة.
يقوم مفهوم “الدفاع الفسيفسائي” على اللامركزية في القيادة والعمليات العسكرية، بحيث لا تعتمد منظومة الدفاع على مركز واحد يمكن تعطيله بضربة عسكرية.
ووفق هذه العقيدة، يتم توزيع القوات ضمن وحدات إقليمية متعددة شبه مستقلة قادرة على مواصلة القتال حتى في حال فقدان الاتصال بالقيادة المركزية.
ويهدف هذا النظام إلى ضمان استمرار العمليات العسكرية مهما كانت الخسائر في البنية القيادية أو العسكرية، إضافة إلى خلق خطوط دفاع مرنة ومتعددة الطبقات تجعل من الصعب على أي قوة تحقيق اختراق حاسم.
الحرب الممتدة بدل الحرب الخاطفة.
تتناقض هذه العقيدة مع مبدأ “الحرب الخاطفة” الذي تبنته دول عديدة، ومن بينها إسرائيل، والذي يقوم على تحقيق نصر سريع عبر ضربة مركزة.
أما إيران فتعتمد مبدأ الحرب الطويلة وغير المتكافئة، التي تهدف إلى رفع كلفة الصراع على الخصم وإرهاقه بمرور الوقت.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في استخدام أسلحة منخفضة التكلفة نسبيا، مثل الطائرات المسيّرة.
فعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة تصنيع مسيّرة “شاهد” الإيرانية نحو 35 ألف دولار، بينما قد تصل تكلفة إسقاطها بالصواريخ الاعتراضية إلى ملايين الدولارات، وهو ما يجعل عامل الزمن حاسما في ميزان الصراع.
دور الحرس الثوري والقوات غير النظامية.
عمل منظّرون داخل الحرس الثوري الإيراني، أبرزهم حسن عباسي، على تطوير مفهوم الحروب غير المتكافئة والممتدة في الفكر العسكري الإيراني.
وقد ساهم القائد السابق للحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري في ترسيخ هذه العقيدة داخل المؤسسة العسكرية.
وبموجب هذا التصور، يتولى الجيش النظامي في البداية مهمة صد الضربة الأولى وتثبيت الجبهة، بينما يتولى الحرس الثوري وقوات الباسيج لاحقاً إدارة حرب الاستنزاف عبر عمليات غير تقليدية تشمل الكمائن وضرب خطوط الإمداد والعمل اللامركزي في المدن والمناطق الوعرة.
كما تم دمج قوات الباسيج ضمن منظومة قيادية إقليمية موزعة على المحافظات الإيرانية، ما يمنح القادة المحليين صلاحيات واسعة لإدارة العمليات وفق طبيعة البيئة الجغرافية لكل منطقة.
تشمل الاستراتيجية الإيرانية أيضا أدوات ردع أخرى، مثل الصواريخ الباليستية والقوات البحرية التي تعتمد تكتيكات “منع الوصول”، بما في ذلك تهديد الملاحة في مضيق هرمز باستخدام القوارب السريعة والألغام البحرية والصواريخ المضادة للسفن.
إلى جانب ذلك، تعتمد طهران على شبكة من الحلفاء الإقليميين، ما يسمح بتوسيع نطاق أي مواجهة إلى جبهات متعددة، وهو ما يحول الصراع إلى حرب استنزاف إقليمية معقدة.
تتقاطع هذه العقيدة مع نظريات “الحرب الممتدة” التي طرحها الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي تقوم على استنزاف العدو الأقوى عبر الزمن بدل مواجهته مباشرة.
وقد طبقت هذه الإستراتيجية في تجارب عديدة مثل حرب فيتنام والثورة الكوبية، حيث نجحت قوى أضعف عسكريا في إنهاك خصومها الأقوى.
أحد أبرز عناصر الاستراتيجية الإيرانية يتمثل في ضمان استمرارية القيادة حتى في أسوأ السيناريوهات.
فقد وجّه المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي قبل مقتله بضرورة تعيين أربعة بدلاء لكل منصب عسكري أو حكومي رفيع، بحيث يتم اختيار قيادات بديلة بشكل فوري إذا تم اغتيال المسؤول أو فقد الاتصال به.
ويهدف هذا النظام إلى منع حدوث فراغ في السلطة خلال الحرب، وإبقاء مؤسسات الدولة والجيش قادرة على العمل في جميع الظروف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك