تسجيلات صوتية وموسيقية نادرة، وكتبٌ وملصقات وصحف وصور توثق قصص المهاجرين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نيويورك بالولايات المتحدة، تُقدّم في مكتبتها العامة في معرض يتواصل حتى يوم غدٍ الأحد بعنوان" نيويورك: حيوات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المدينة".
اختار المنظّمون كتابة اسم المدينة بالإنكليزية Niyū Yūrk كما تنطق بالعربية، في عنوان المعرض الذي يضيء تاريخ الهجرة من تلك المناطق وهو تاريخ كثيراً ما يُغفَل أو يُهمَّش لأسباب متعددة، عبر ستين عملاً منتقى من مقتنيات المكتبة التي يعود تأسيسها لأكثر من مئة عام.
هؤلاء المهاجرون لم يتركوا أثرهم في وطنهم النيويوركي الجديد فقط، بل امتد حضورهم الثقافي والاقتصادي إلى أوطانهم الأصلية، كما في تجارب جبران خليل جبران وأمين الريحاني، وأدباء الرابطة القلمية وغيرهم من الفنانين والمثقفين الذين مدوا جسوراً ثقافية بين الوطن والمهجر.
تقول هبة عبيد، القيّمة على المعرض والمسؤولة عن برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مكتبة نيويورك العامة إن" فكرة المعرض انبثقت من مشروع أشرف عليه، يتمحور حول التعريف بالمجموعات العربية والشرق أوسطية التي جمعتها مكتبة نيويورك العامة، وإعادة التعمق فيها، على مدى أكثر من قرن، أي منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأحياناً حتى قبل ذلك".
ولم تكتف في شرحها للمعروضات بسرد توثيقي، بل قدمت نقداً لتبويبها آنذاك، لتقف عند النظرة الاستشراقية وحتى الاستشراق الذاتي عند البعض في تمثيله لإرثه.
مدّ الكتّاب والفنانون المهاجرون جسوراً بين الوطن والمهجر.
يتناول القسم الأول" طرق إلى نيويورك"، موجة الهجرة الأولى من المنطقة، التي بدأت نحو عام 1880 واستمرت حتى عام 1940، وشهدت قدوم قرابة مئة ألف مهاجر من سورية الطبيعية، أي من فلسطين التاريخية ولبنان وسورية والأردن.
ثم تلتها موجات أخرى من مناطق مختلفة وفي فترات لاحقة.
وفي هذا القسم، نشاهد واحداً من أقدم مقتنيات المكتبة المتعلقة بمهاجرين من المنطقة يعود إلى عام 1857؛ كتاب" السلطان وشعبه" لكريستوفر أوسكانيان، وهو أرمني من مواليد إسطنبول، شغل منصب قنصل الإمبراطورية العثمانية في نيويورك، وعُرف بمساعيه لتعريف الأميركيين بالحياة الاجتماعية والثقافية تحت الحكم العثماني، من خلال المسرحيات والمقالات والكتب.
يحمل قسمٌ آخر عنوان" حياة في المدينة"، ويستعرض ملامح الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية لأبناء الجالية، ومبادراتهم في تأسيس صحف باللغات العربية والأرمنية وغيرها.
ومن بين الأسماء التي يستحضرها المعرض اللبناني سلوم مكرزل (1879–1952)، الذي هاجر من جبل لبنان إلى الولايات المتحدة، واستقر لاحقاً في نيويورك، حيث جمع بين النشاط التجاري والصحافي، وأصدر عدداً من الصحف والمجلات.
وتمكّن سلوم مكرزل مع أخيه نعوم مكرزل عام 1910، من تكييف آلة" لاينوتايب" مع طريقة الكتابة العربية (التنضيد الآلي)، وهو ما حلّ محلّ التنضيد اليدوي وساعد على خفض كلفة النشر، واستُخدمت خارج الولايات المتحدة أيضاً.
وأسهم هذا التطوير في توسيع انتشار صحيفة" الهدى" التي أسسها نعوم مكرزل، وكانت واحدة من أبرز الصحف الناطقة بالعربية في المدينة.
يمكن للزائر الاستماع إلى مقطوعة تعود إلى أوائل القرن العشرين، سجّلها موسيقيون شوام في استوديوهات نيويورك.
وفي زاوية قريبة، يلفت الانتباه ملصقٌ لشركة" كولومبيا للتسجيلات العربية السورية" التي أُسست عام 1920، إلى جانب ملصقات لشركات أخرى.
يحمل المعرض مفاجآت كثيرة، إذ توجد نوتة أغنية" أمريكا يا حلوة" للملحن إسكندر معلوف (1956–1984)، التي ألفها عام 1912، وقاد حملة لسنوات لتُعتمد النشيد الوطني الأميركي.
ولم يتحقق له ذلك، لكنها اعتمدت لاحقاً ضمن برنامج المدارس الرسمية في نيويورك بوصفها إحدى الأغاني الوطنية للتجمعات المختلفة.
هاجر معلوف مع عائلته إلى منطقة بروكلين في نيويورك وهو طفل، واشتهر مؤلفاً وعازف بيانو وقائد أوركسترا، إضافة إلى تأسيسه شركة موسيقية، لكنه تعرض للنقد بسبب الإفراط في استمالة الجمهور الأميركي.
كما تُعرض نسخة من" كتاب خالد" (1911) لأمين الريحاني؛ أول رواية عربية أميركية تُنشر وتتناول موضوع الهجرة من الشرق الأوسط إلى نيويورك، وتعقيدات الهوية وتشعباتها.
يطرح المعرض أسئلة تتعلق بالاندماج والحفاظ على الهوية الأم واللغة والتجنس، إضافةً إلى الأدوار الجندرية وغيرها.
وبعد فترة قصيرة من تنظيمه، انتخب زهران ممداني، أول عمدة مسلم لنيويورك، حيث تعرض واحدة من النسخ الثلاث للمصحف الذي أدى عليه ممداني القسم الدستوري لتوليه المنصب، وهي النسخة التي تملكها المكتبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك