اعتبر محمد الساسي، القيادي في فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن استقلال السلطة القضائية لا يمكن اختزاله في دعوة أخلاقية موجهة إلى القاضي للتصرف وفق ضميره، بل يرتبط أساسا بمدى توفر ضمانات مؤسسية وسياسية تتيح له ممارسة هذا الاستقلال فعليا دون خوف من تبعات محتملة.
وأوضح الساسي ضمن ندوة رمضانية نظمها الفرع الإقيليمي لفيدرالية اليسار الديمقراكي بالرباط، أن السؤال الجوهري في موضوع استقلال القضاء يتمثل في ما إذا كان القاضي حرا تماما في إصدار أحكامه، أم أن السياق المؤسسي والسياسي المحيط به قد يضع استقلاليته موضع اختبار.
فالقاضي، بحسبه، يظل إنساناً يتأثر بمحيطه وبموازين القوى القائمة، ولا يمكنه التعبير عن استقلاله الحقيقي ما لم يشعر بقدر كافٍ من الأمان المهني والمؤسسي.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن أغلب القضايا المعروضة على القضاء لا تطرح إشكال الاستقلالية بشكل مباشر، غير أن بعض الملفات الحساسة قد تفرض على القاضي قدرا من الحذر في التعامل معها.
وأضاف أن التعليمات لا تكون بالضرورة مكتوبة، بل قد تُفهم أحيانا من خلال المناخ السياسي العام أو من خلال ما وصفه بـ”ملامح الحالة السياسية السائدة”.
وفي هذا السياق، أبرز الساسي أن القاضي يتفاعل مع عدة دوائر من التأثير، منها المجتمع والرأي العام، ومؤسسات الحكم، وكذلك المؤسسة الأمنية.
فالرأي العام، في بعض الحالات، قد يمارس ضغطا غير مباشر ينعكس على الأحكام القضائية، وهو ما اعتبره جانبا إنسانيا في عمل القاضي، مستحضراً بعض القضايا التي أثارت تفاعلاً مجتمعيا واسعا وأثرت على طريقة التعاطي القضائي معها.
كما توقف عند علاقة القضاء بمؤسسة الحكم، موضحا أن التجارب المقارنة تبين إمكانية انتقال القضاء من موقع الاستقلال إلى موقع التبعية تبعا لتغير التوازنات داخل السلطة.
واستشهد في هذا السياق ببعض النماذج التاريخية في المنطقة العربية، حيث لعب القضاء في لحظات معينة دورا مستقلا، قبل أن يتراجع هذا الدور لاحقاً نتيجة تحولات سياسية ومؤسساتية.
وعلى المستوى المغربي، اعتبر الساسي أن النقاش الذي رافق إصلاح منظومة العدالة ركز أساسا على إبعاد القضاء عن تأثير الأحزاب السياسية، خاصة من خلال فصل وزارة العدل عن الإشراف المباشر على النيابة العامة، لكنه يرى أن هذا الطرح لا يكفي لبلورة استقلال قضائي فعلي، لأن المسألة تتجاوز ذلك إلى طبيعة العلاقة بين القضاء وباقي مؤسسات السلطة.
وسجل في المقابل أن دستور 2011 أدخل بعض التطورات الإيجابية، من بينها إمكانية الطعن في القرارات الإدارية أمام القضاء الإداري، إضافة إلى التنصيص على أن الأحكام القضائية تصدر وتنفذ باسم الملك وطبقاً للقانون، وهو ما اعتبره خطوة يمكن تفسيرها في اتجاه تعزيز مرجعية القانون في العمل القضائي.
غير أن الساسي شدد على أن مبدأ استقلال القضاء ما يزال في حاجة إلى ضمانات عملية تتيح تفعيله على أرض الواقع، معتبرا أن الإصلاح المطلوب ينبغي أن يذهب أبعد مما نص عليه الدستور.
وفي هذا الإطار، دعا إلى تمكين القضاة من حق تأسيس النقابات بما يسمح لهم بخلق أشكال تضامن مهني تدعم استقلالهم وتحميهم من الضغوط المحتملة.
كما أشار إلى الصعوبات التي واجهها القضاة عند تأسيس بعض الإطارات المهنية، معتبرا أن ذلك يعكس استمرار بعض التقاليد القديمة في نظرة السلطة إلى القضاة ودورهم.
وخلص القيادي بفيدرالية اليسار إلى أن العلاقة بين القضاء والمؤسسة الأمنية تمثل بدورها أحد التحديات المطروحة، مبرزاً أن القضاء في الأنظمة الديمقراطية يفترض أن يراقب عمل الأجهزة الأمنية، غير أن موازين القوة في بعض السياقات قد تجعل هذه العلاقة معكوسة، ما يضع استقلال القاضي أمام اختبارات حقيقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك