المشاركة فى الموسم الدرامى الرمضانى تعد بالتأكيد رهاناً ومسئولية، باعتباره الموسم الذى يحظى عادة بأعلى نسب مشاهدة، ويشهد أكبر قدر من المنافسة بين صناع الدراما.
وفى السنوات الأخيرة شهدت الخريطة الرمضانية تغييراً لا يمكن إغفاله، مع غياب نجوم كبار ظلوا يتصدرون المشهد لسنوات طويلة، لتتاح الفرصة أمام أسماء أخرى؛ استطاع بعضهم إثبات استحقاقه لهذه المساحة، بينما لا يزال آخرون يسعون إلى ترسيخ مكانتهم داخل هذا السباق.
ورغم ما يحمله الموسم الدرامى لرمضان 2026 من ملاحظات، فإنه من المهم أيضاً الإشارة إلى أن الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية نجحت فى رهانها على عدد من الأسماء المشاركة فى الموسم، إلى جانب رهانات أخرى تتعلق بتنوع الموضوعات والقضايا التى تتناولها مسلسلات هذا العام.
ماجد الكدوانى.
بطل رمضان بامتياز.
وجود «الكدوانى» كنجم رمضانى من خلال مسلسل «كان يا ما كان» جاء فى التوقيت الأمثل، فى الوقت الذى تغيرت فيه خريطة الدراما بعد غياب نجوم ارتبطت أسماؤهم بالموسم الرمضانى، مثل يحيى الفخرانى، والراحلين نور الشريف، محمود عبدالعزيز وصلاح السعدنى، وهو الغياب الذى ترك حالة من الفراغ فى الدراما، خاصة فى نوعية الأعمال التى اعتادوا تقديمها.
وهنا لا أقصد المقارنة بالتأكيد بينهم وبين ماجد الكدوانى، الذى نال البطولة بعد سنوات طويلة من العمل كممثل مساعد، وهو ما حقق له شعبية كبيرة كممثل يجيد تقديم شخصيات تحمل أبعاداً نفسية مركبة، قبل أن يحقق نجاحه كبطل لأول مرة فى «موضوع عائلى» بأجزائه الثلاثة فى الأوف سيزون.
فى «كان يا ما كان» أكد «الكدوانى» على استحقاقه هذه المكانة بكل تأكيد، ليس فقط بنسب المشاهدة التى أصبحت من معايير النجاح فى الوقت الحالى، لكن بموهبته ونجاحه فى تجسيد شخصية «مصطفى»، الزوج الذى يعيش أزمة أسرية بعد قرار زوجته الانفصال عقب سنوات طويلة من الزواج، ورغبتها فى بدء حياة جديدة، ليواجه تفكك أسرته إلى جانب الصراعات القانونية التى صاحبت هذا الانفصال.
يعتمد «الكدوانى» فى تقديم الشخصية على الأداء الهادئ القائم على التفاصيل الصغيرة، وهو الأسلوب الذى ارتبط به فى كثير من أدواره، لذلك تبدو قوة الشخصية فى بساطتها، خاصة فى المشاهد التى تجمعه بابنته أو فى لحظات المواجهة مع طليقته، حيث يظهر جانب الأب المكسور الذى يحاول التمسك بحقه فى البقاء قريباً من ابنته.
من الطبيعى أن يحتاج الفن دائماً إلى تجديد الدماء، وإعادة تشكيل الخريطة الدرامية وتطويرها.
وهو ما يظهر فى منح فرص البطولة الرمضانية الأولى، ليس فقط لماجد الكدوانى، لكن أيضاً لماجد المصرى فى «أولاد الراعى»، ومنحت الوجوه الشابة فرصة البطولة، مثل أحمد بحر الشهير بـ«كزبرة» فى مسلسل «بيبو»، وأحمد رمزى فى «فخر الدلتا».
انضمام دينا الشربينى هذا العام لتكون إحدى بطلات مسلسلات الشركة المتحدة للإنتاج الإعلامى هو استثمار ذكى لنجاحها خلال السنوات الماضية، وتجسيدها شخصيات حملت أبعاداً نفسية عكست موهبتها وصدقها فى تقديم الأدوار المختلفة.
فى «اتنين غيرنا» الرهان هنا ليس على دينا الشربينى وحدها، لكن أيضاً على مشاركتها مع تميمة الحظ المؤلفة رنا أبوالريش والمخرج خالد الحلفاوى، بعد نجاح التعاون بينهم على مدار ثلاث سنوات متتالية فى «كامل العدد» بأجزائه الثلاثة، وينضم إليهم هذا العام الفنان آسر ياسين فى رباعية فنية شكلت حالة من البهجة تتناسب مع طبيعة المسلسل، الذى يعتمد على قالب رومانسى إنسانى يقوم على دراما العلاقات والتناقضات فى المشاعر بين الحب والخذلان ومحاولات البدء من جديد.
وإن كنت هنا حددت رباعية دينا الشربينى، آسر ياسين، خالد الحلفاوى ورنا أبوالريش، لكن أيضاً برزت أسماء مشاركة فى العمل مثل عودة الفنانة سحر رامى وصفوة، إلى جانب الرهان على المطربة صابرين النجيلى كممثلة لأول مرة، ونور إيهاب وفدوى عابد.
إسناد عمل مهم مثل «صحاب الأرض» إلى المخرج بيتر ميمى هو استمرارية للتعاون بينه وبين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، بعد سنوات متتالية قدم خلالها أعمالاً مهمة مثل «الاختيار» و«الحشاشين»، وغيرهما من الأعمال التى أثبت خلالها بيتر ميمى نضجه الفنى من عمل إلى آخر.
وفى «صحاب الأرض»، يقدم بيتر ميمى ما تتعرض له غزة من حرب إبادة منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن، لكن فى قالب إنسانى، حيث نجح فى المزج بين التوثيق والسرد الإنسانى.
وفى «عين سحرية» إذا كان العمل قد حقق نجاحاً لافتاً بفضل الأداء التمثيلى لأبطاله عصام عمر، باسم سمرة، محمد علاء، سماء إبراهيم وعمر الشريف، فوجود السدير مسعود مخرجاً للعمل أيضاً يعد من العناصر التى ساهمت فى هذا النجاح، خاصة مع اعتماده على معالجة إخراجية تميل إلى إبراز الصراع النفسى بين الشخصيات، وتوظيف الصورة والإيقاع الدرامى فى خلق حالة من التشويق تتناسب مع طبيعة العمل.
لكن الإضافة فى هذا الموسم هى وجود مريم زكى كمخرجة للمرة الأولى من خلال مسلسل «حد أقصى»، وبالتأكيد فإن وجود اسم والدها الفنان أشرف زكى، نقيب المهن التمثيلية، بقدر ما قد يسهل دخولها المجال الفنى، فإنه أيضاً يضعها أمام الاتهامات التى تطال أبناء الفنانين دائماً، لكن بمجرد مشاهدة الحلقات الأولى من العمل نتأكد أننا أمام مخرجة شابة واعدة متمكنة من أدواتها.
إلى جانب سامح علاء مخرجاً لمسلسل «حكاية نرجس» فى أول وجود درامى له بعد حصوله على السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائى عن فيلمه القصير «ستاشر»، فى خطوة تؤكد الاهتمام وتقدير المواهب.
إذا كنت تحدثت فيما سبق عن نجاح الرهان على أسماء وصناع فى الموسم الرمضانى الحالى، فإن الرهان الحقيقى فى رأيى لا يقتصر فقط على تنوع الأسماء، لكن أيضاً على تنوع القضايا والأفكار المطروحة وأنواع الدراما التى تسعى إلى مخاطبة أذواق مختلفة لدى الجمهور.
فهناك أعمال تعتمد على التيمة العائلية، مثل «كان يا ما كان» و«أب ولكن»، ودراما شعبية فى «منّاعة»، «درش» و«على كلاى»، ووجود قوى للدراما الوطنية فى «صحاب الأرض» و«رأس الأفعى: رجال الظل»، إلى جانب أعمال أخرى سعت إلى طرح تساؤلات وإشغال عقل المتفرج.
ونجاح كل ما سبق يؤكد استحقاق هذه الأسماء للفرص التى منحت لها، كما يعكس ذكاء ومهارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية فى رسم خريطتها الدرامية لموسم رمضان 2026، عبر رهانات على الموهبة وتنوع القضايا والأنواع الدرامية، وهو ما منح الموسم بريقاً واضحاً على مستوى التمثيل والإخراج والسيناريو والصورة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك