في حلقة جديدة من برنامج" قال الحكيم"، قدم الإعلامي أسعد طه تأملا فكريا حول معنى الحياء وعلاقته بالخجل، متوقفا عند أثر هذا الخلق في تهذيب النفس وتوجيه سلوك الإنسان في علاقته مع الناس ومع الله.
واستهل طه الحلقة بمشهد تأملي وهو يسير في طريقه، قبل أن يستوقفه خاطر داخلي دفعه للتفكير في الفرق بين الخجل والحياء، مشيرا إلى أنه كان يخلط بين المعنيين زمنا طويلا، إلى أن أدرك أن الخجل شعور بالضعف والدونية والتردد أمام الآخرين، أما الحياء فهو معنى أعمق وأرق، يترك في القلب أثرا لا يمكن وصفه بسهولة.
وتساءلت الحلقة عن طبيعة هذا الخلق: هل الحياء غريزي يولد مع الإنسان أم أنه خلق يكتسب مع الزمن؟ وكيف يكون الحياء مع الناس، بل كيف يكون مع الله سبحانه وتعالى؟وفي هذا السياق استشهد البرنامج بقول الأديب والمفكر العربي -من أعلام القرن الثاني الهجري- ابن المقفع الذي ربط بين فقدان الحياء وفقدان السعادة، معتبرا أن الإنسان إذا ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره أصبح ممقوتا بين الناس.
كما استحضر طه مقولة الشاعر الروسي -من كبار أدباء القرن الـ19- ألكسندر بوشكين الذي رأى أن الجمال بلا حياء يشبه وردة بلا عطر، في إشارة إلى أن الحياء يمنح القيم الإنسانية معناها الحقيقي.
وتوقفت الحلقة عند آراء عدد من المفكرين الغربيين، من بينهم الفيلسوف والاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث الذي اعتبر الحياء عند الرجل ضعفا وعند المرأة فضيلة.
في حين رأى الأديب والمسرحي الإنجليزي الشهير وليام شكسبير أن أعلى درجات الحياء هي أن يستحيي الإنسان من نفسه، حين يشعر بالخجل من فعل قام به حتى في غياب الناس.
وانتقل البرنامج بعد ذلك إلى التراث الإسلامي، حيث استعرض طه أقوال عدد من العلماء الذين تناولوا معنى الحياء وأثره في بناء الشخصية.
فاستحضر قول الفقيه والمفكر الإسلامي -من علماء القرن الثامن الهجري- ابن قيم الجوزية الذي عد الحياء من أجمل الأخلاق وأعظمها نفعا، مؤكدا أن هذا الخلق يمثل جوهر الإنسانية، حتى أنه اعتبر أن من لا حياء فيه لا يحمل من الإنسانية إلا صورتها الظاهرة.
كما أشار إلى قول العالم الصوفي -من أعلام القرن السادس الهجري- عبد القادر الجيلاني الذي عرف الحياء بـ" أن يستحيي العبد من الله أن يقول أو يفعل ما لا يرضيه".
واستعرض أيضا رؤية المحدث والفقيه -من علماء القرن الرابع الهجري- ابن حبان الذي اعتبر الحياء حاجزا يحول بين الإنسان وبين ارتكاب المعاصي، فكلما قوي الحياء ضعفت الجرأة على الذنب.
وتوقف البرنامج عند مقولة الصحابي الجليل وحفيد النبي محمد ﷺ الحسن بن علي بن أبي طالب الذي قسم الحياء إلى نوعين: حياء محمود وهو من الإيمان، وحياء مذموم هو العجز والخجل الذي يمنع الإنسان من قول الحق أو فعل الخير.
كما تناولت الحلقة سؤالا آخر: هل الحياء فطري أم مكتسب؟ واستشهدت برأي المفسر والفقيه الأندلسي -من علماء القرن السابع الهجري- الإمام القرطبي الذي رأى أن الحياء المكتسب هو الذي جعله الشرع من الإيمان، وأن الحياء الغريزي يمكن أن يعين الإنسان على اكتساب هذا الخلق حتى يصبح جزءا من طبيعته.
وفي هذا السياق، نقل البرنامج مقولة عن أحد الحكماء أوردها ابن قيم الجوزية تقول" أحيوا الحياء بمجالسة من يُستحيا منه"، في إشارة إلى أن الصحبة الصالحة تساعد الإنسان على تهذيب نفسه وتنمية هذا الخلق.
كما توقفت الحلقة عند معنى استحياء العبد من الله، مستشهدة بقول الزاهد والواعظ -من علماء القرن الثالث الهجري- يحيى بن معاذ الرازي الذي قال: إن من استحيا من الله حق الحياء استحيا الله منه حتى وهو مذنب.
كما استحضر البرنامج قول الزاهد والواعظ -من كبار العباد في القرن الثاني الهجري- الفضيل بن عياض، الذي اعتبر قلة الحياء من علامات الشقاء، إلى جانب قسوة القلب وجمود العين وطول الأمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك