نواكشوط –«القدس العربي»: في السياسة الموريتانية، نادرًا ما تتقاطع مواقف السلطة والمعارضة حول فكرة واحدة، لكن الحوار الوطني الشامل يبدو اليوم أحد تلك اللحظات النادرة التي تتقاطع فيها الرغبات وإن اختلفت الحسابات.
فبعد عام تقريبًا من النقاشات والتحضيرات والرسائل المتبادلة، أعلن موسى فال منسق الحوار الوطني ورجل ثقة الرئيس الغزواني «أن مسار الحوار دخل مرحلته النهائية»، ما يعني أن البلاد باتت أقرب من أي وقت مضى إلى إطلاق واحدة من أكثر المبادرات السياسية انتظارًا خلال السنوات الأخيرة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط: هل سينطلق الحوار؟بل أيضًا: أي حوار ينتظر الموريتانيين؟ وهل سيكون بداية تسوية سياسية واسعة أم مجرد محطة جديدة في تاريخ طويل من الحوارات المتعثرة؟وأكد منسق الحوار موسى فال «أن المرحلة التمهيدية للحوار قد اكتملت، بعد سلسلة من الخطوات التي شملت توجيه أسئلة إلى القوى السياسية وتلقي ردودها، قبل إعداد تقرير شامل سُلّم إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني».
بحسب فال، فإن الرئيس صادق على الوثائق المنظمة للمرحلة التحضيرية، وطلب توزيعها على الأقطاب السياسية المختلفة للحصول على ملاحظاتهم النهائية، في خطوة تهدف إلى صياغة الوثيقة المرجعية النهائية للحوار بالتوافق بين جميع الأطراف.
وقد تم، حتى الآن، على مستوى المنسقية المركزية للحوار، استلام ملاحظات من حزب تكتل القوى الديمقراطية ومن قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، بينما لا تزال جهتان سياسيتان في طور تقديم ملاحظاتهما.
وستشهد المرحلة المقبلة، وفق للمنسق، اجتماعًا لممثلي الأقطاب السياسية لمناقشة هذه الملاحظات وصياغة التعديلات النهائية قبل تسليم الوثيقة مرة أخرى إلى الرئيس، الذي سيقرر موعد انطلاق الحوار وآلياته التنظيمية.
ويقوم التصور المطروح على تشكيل مجموعات عمل يكون فيها لكل قطب سياسي ممثلون مكلفون بالدفاع عن مقترحاته، مع تعيين مقرر لكل مجموعة لتوثيق النقاشات والوصول إلى صيغة توافقية.
وبهذا المعنى، يبدو أن الحوار يقترب من مرحلة الانتقال من النقاش حول «إطار الحوار» إلى النقاش حول «مضامينه الفعلية».
ورغم وجود توافق عام على مبدأ الحوار، فإن الخطاب الصادر عن قوى المعارضة يعكس مزيجًا من الترحيب والحذر.
فقد اعتبر الرئيس الدوري لقطب ائتلاف المعارضة، الساموري ولد بي، «أن المرحلة الحالية حاسمة»، داعيًا «الرئيس ولد الغزواني إلى التدخل لضمان تهيئة الظروف الملائمة لانطلاق الحوار ومنع أي محاولة لعرقلته».
وقال «إن هناك أطرافًا تسعى إلى «قتل مشروع الحوار في مهده»، محذرًا «من أن التلكؤ في بعض المواقف قد يعرقل المسار الذي يعوّل عليه كثيرون لمعالجة القضايا السياسية المطروحة».
ورغم هذه المخاوف، أكد الساموري ولد بي «أن القطب المعارض الذي يرأسه، مستعد للمساهمة في إنجاح الحوار والمشاركة في جميع الخطوات التي تدفع به إلى الأمام».
وعبّرت النانة بنت شيخن، عضو ائتلاف المعارضة الديمقراطية، عن رأي مشابه، حيث أكدت «أن التحضير للحوار استغرق وقتًا أطول مما ينبغي»، مشيرة «إلى وجود جهات خارج المعارضة المشاركة، تعرقل تقدمه رغم أنه مشروع أعلن عنه رئيس الجمهورية نفسه».
وفي المقابل، يركز خطاب بعض القوى السياسية على أهمية تحويل الحوار إلى مسار توافقي واسع يعالج القضايا الكبرى في البلاد، وهو ما أكده حمادي سيدي المختار رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (المحسوب على الإخوان)، الذي دعا خلال إفطار سياسي حضره الساسة والإعلاميون، إلى تغليب منطق التوافق على منطق المغالبة، والشراكة على الاستفراد، والحوار على القطيعة».
وأكد حمادي سيد المختار «أن المسؤولية السياسية تقتضي الارتقاء إلى مستوى اللحظة وفتح صفحة جديدة قائمة على الثقة والعمل المشترك».
ويرى ولد سيدي المختار «أن الحوار المطلوب يجب أن يكون شاملًا، لا يقصي أحدًا ولا يستثني رأيًا، وأن يناقش القضايا الكبرى المرتبطة بالإصلاح المؤسسي والديمقراطي، والحريات، والعدالة الاجتماعية، والحكامة، إضافة إلى تعزيز التعايش بين مكونات المجتمع وحماية الوحدة الوطنية».
وأكد حمادي «أنه من اللازم أن تُحدد للحوار أهداف واضحة وآجال معقولة، مع توفير ضمانات تضمن تحويل مخرجاته إلى واقع سياسي ملموس».
وفي إطار مواقف الأطراف السياسية التي تم الإعلان عنها بالتوازي مع تسليم الردود لمنسق الحوار الوطني، قدم رئيس جبهة المواطنة والعدالة جميل منصور قدم قراءة أوسع للسياق السياسي للحوار المرتقب.
ففي مقابلة تلفزيونية، أوضح ولد منصور «أن فكرة الحوار طُرحت قبل نحو عام خلال لقاء جمع الرئيس ولد الغزواني بالأحزاب السياسية في شهر رمضان الماضي، موضحاً «أن الحوار لا يشترط وجود أزمة حادة حتى يكون مبررًا، فالدول التي تسعى لتطوير تجربتها الديمقراطية تحتاج دائمًا إلى آليات للتشاور بين القوى السياسية.
وقال «إن الحوار يمكن أن يشكل فرصة لمناقشة ملفات حساسة مثل الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، وإصلاح المؤسسات الديمقراطية، والحكامة والشفافية ومحاربة الفساد»؛ كما أشار إلى «أن نجاح الحوار سيعتمد أساسًا على وجود إرادة سياسية قوية لدى السلطة، إلى جانب انخراط فعلي من القوى السياسية الأخرى».
وأكد النائب المعارض محمد الأمين سيدي مولود «أن الحوار مبدأ إيجابي تلجأ إليه الدول حتى في أصعب الظروف، لكنه شدد على أن الحكومة مطالبة أولًا بأداء واجباتها الأساسية، مثل محاربة الفساد، وتحسين الظروف المعيشية، وتوفير فرص العمل، وتنفيذ التعهدات الانتخابية.
وتساءل ولد سيدي مولود «عما إذا كانت السلطة قدمت الضمانات الكافية لإنجاح الحوار، مذكرًا بتجارب سابقة لم تحقق النتائج المتوقعة».
وأعرب رئيس حزب اتحاد قوى التقدم محمد ولد مولود «عن خشيته من وجود نوع من المماطلة في إطلاق الحوار»، مشددًا على «ضرورة الشروع فيه بشكل جاد دون تأخير، لأن البلاد تواجه تحديات سياسية وإقليمية تستدعي الاستعداد لها مبكرًا عبر توافقات وطنية واسعة».
ومع اقتراب المرحلة النهائية من التحضيرات، تبدو موريتانيا أمام لحظة اختبار جديدة لثقافة الحوار في نظامها السياسي؛ فالبلاد تقف اليوم على عتبة مسار قد يفتح الباب أمام إصلاحات سياسية واقتصادية أوسع… أو يعيد إنتاج الجدل القديم حول جدوى الحوارات الوطنية.
والفارق هذه المرة، كما يقول بعض الفاعلين السياسيين، لن يتوقف فقط عند نصوص الوثائق، بل على الإرادة السياسية وقدرة الأطراف المختلفة على تحويل الحوار من مناسبة سياسية إلى عقد وطني جديد وجامع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك