وسط حالة من عدم اليقين الاقتصادي والمصرفي التي تعيشها غزة منذ اندلاع حرب الإبادة، يتجه عدد متزايد من المواطنين إلى شراء الذهب باعتباره وسيلة أكثر أماناً لحفظ مدخراتهم في ظل المخاوف من تجميد الحسابات البنكية وتقلبات الصرف واستمرار الأزمات المالية التي تضرب القطاع.
وبينما يشهد سوق الذهب نشاطاً ملحوظاً في حركة الشراء، يواجه العاملون فيه تحديات متراكمة تتمثل في ارتفاع تكاليف التصنيع وصعوبة توفير المواد الخام وتراجع أعداد المصانع والورش العاملة، إلى جانب استمرار الفجوة بين أسعار الدفع النقدي والإلكتروني.
يقول بائع الذهب في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة خالد شقورة إنّ سعر شراء غرام الذهب تجاوز حالياً 108 دنانير أردنية (1 دينار= 1.
41 دولار) فيما يبدأ سعر البيع للمستهلك من 113 ديناراً للغرام الواحد، مشيراً إلى أن السوق تشهد إقبالاً على الشراء من الناس يفوق عمليات البيع بوضوح.
ويوضح شقورة لـ" العربي الجديد" أن زيادة الطلب على الذهب ترتبط بعدة عوامل، أبرزها المخاوف من الأوضاع المصرفية الحالية، إذ يسعى عدد من المواطنين إلى تحويل أموالهم المودعة في البنوك إلى ذهب خشية تعرضها للتجميد أو صعوبة الوصول إليها مستقبلاً.
ويشير إلى أن انخفاض قيمة الدينار الأردني مقابل الشيكل (1 دينار= 4.
08 شواكل) خلال الفترة الأخيرة ساهم في زيادة الإقبال على الشراء، إذ يرى بعض المواطنين أن تراجع سعر الصرف يمثل فرصة مناسبة لاقتناء الذهب بأسعار أقل نسبياً.
وفي المقابل، يواجه التجار مشكلة متفاقمة تتعلق بالتعامل بالدينار الأردني، إذ يرفض العديد منهم استلامه نتيجة صعوبة تصريفه داخل القطاع، ويؤكد شقورة أن هذه الأزمة مرشحة للاستمرار ما دامت المعابر مغلقة وحركة التجارة مع الضفة الغربية والأردن.
من جانبه، يقول بائع الذهب في سوق عمر المختار بمدينة غزة، إياد بصل إن السوق كانت تعاني من الفجوة بين أسعار الذهب عند الدفع النقدي وأسعار الشراء عبر وسائل الدفع الإلكتروني، موضحاً أن الفارق وصل إلى نحو 10 دنانير للغرام الواحد، ولكن حالياً بدأت تنخفض الفجوة على نحوٍ ملحوظ.
ويلفت بصل لـ" العربي الجديد" إلى أنّ بعض حالات الغش في الذهب تظهر أحياناً من خلال خفض نسبة الذهب الخالص داخل المشغولات واستبدال جزء منها بمعادن أخرى مثل النحاس أو الفضة وهي قليلة جداً، مؤكداً أن اكتشاف مثل هذه الحالات يتطلب فحوصات مخبرية متخصّصة ولا يمكن التحقق منها بالعين المجردة.
ويشير إلى أنّ ارتفاع تكاليف التصنيع بات يشكل عبئاً إضافياً على القطاع، خاصة مع استمرار نقص المواد الخام وصعوبة استيرادها الأمر الذي أدى إلى زيادة أسعار المشغولات الذهبية المعروضة في الأسواق.
وفي محاولة لضبط السوق وتعزيز الرقابة، استأنفت وزارة الاقتصاد في غزة أعمالها الرقابية على قطاع الذهب في النصف الثاني من عام 2025، بعد فترة من التراجع فرضتها الظروف الأمنية خلال الحرب.
ويقول مصدر مسؤول في الوزارة لـ" العربي الجديد" إنّ الجهات المختصة أعادت تنظيم عمليات الرقابة وتُسيّر فرقاً فنية لتنفيذ جولات ميدانية على محالّ الذهب والمصانع للتحقق من الالتزام بالمواصفات المعتمدة، موضحاً أن وزارته ركزت على فحص المشغولات الذهبية المتداولة خصوصاً غير المدموغة عبر سحب عينات وإخضاعها لفحوصات مخبرية دقيقة للتأكد من مطابقة العيارات للمواصفات الفنية المطلوبة.
ويؤكد المصدر أنّ نتائج الفحوصات أظهرت مطابقة معظم الذهب المتداول للمواصفات المعتمدة، فيما جرى ضبط كميات محدودة غير مطابقة واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أصحابها، إلى جانب التشديد على المصانع بضرورة فحص ودمغ أي مشغولات ذهبية قبل طرحها في الأسواق.
في حين، يقول رئيس نقابة تجار الذهب في قطاع غزة، محمد حبوب، إن قطاع الذهب يواجه تحديات متزايدة نتيجة الارتفاع الكبير في تكاليف" المصنعية"، في ظل النقص الحاد في المواد الخام اللازمة لعمليات التصنيع وإعادة التشكيل بسبب القيود المفروضة على إدخالها إلى القطاع.
ويوضح حبوب لـ" العربي الجديد" أن هذه الظروف أثرت مباشرةً على قدرة المصانع المحلية على إنتاج مشغولات ذهبية جديدة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وانعكاسها على الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلكون عند الشراء.
ويشير إلى أن قطاع صناعة الذهب تعرض لتراجع حاد منذ اندلاع الحرب، إذ انخفض عدد المصانع والورش العاملة من 41 منشأة قبل الحرب إلى نحو 21 منشأة فقط حالياً، بعد خروج عدد كبير منها عن الخدمة نتيجة الدمار الذي لحق بها أو بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويلفت حبوب إلى أن المصانع والورش المحلية كانت تدمغ قبل الحرب نحو 300 كيلوغرام من الذهب شهرياً، فيما كان الإنتاج المحلي يغطي قرابة 70% من احتياجات السوق، الأمر الذي ساهم آنذاك في استقرار السوق وتوفير المعروض بانتظام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك