بعد عشر سنين من الإنفاق المكثف على البنية الأساسية، تكشف أحدث المؤشرات الدولية أن التحدي الأكبر أمام الاقتصاد المصري لم يعد إنشاء المزيد من الطرق والعقارات، بل بناء عامل أمهر، وطالب أكثر تعليماً، وشركة أقدر على الابتكار، واقتصاد أكثر قدرة على خلق الوظائف.
وجه اقتصاديون تحذيرا شديد اللهجة للحكومة، حملت في مضمونها رسالة واحدة تطالب بوقف توجيه أموال الدولة والقروض التي تتهافت الحكومة عليها من المؤسسات الدولية، لبناء المزيد من الطرق والمدن، بلغت تكلفتها حتى عام 2023، وفقا لتقديرات الرئاسة المصرية نحو 10 تريليونات جنيه (حوالي 322 مليار دولار وفق سعر صرف الدولار عند 31 جنيهاً في عام 2023).
لم يأت التحذير من جهة واحدة أو مدرسة اقتصادية بعينها، بل تكررت بصورة شبه متطابقة في ثلاثة تقارير مختلفة صدرت مؤخرا، واحد منها" الترتيب الدولي لمصر 2026" الصادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية، وتقرير" المرصد العالمي لريادة الأعمال" الذي أطلقته كلية الأعمال بالجامعة الأميركية بالقاهرة، وبيانات مؤشر مديري المشتريات الصادرة عن ستاندرد آند بورز غلوبال.
رغم اختلاف مصادر التقارير ومنهجياتها، فقد انتهت إلى نتيجة واحدة تقريباً تؤكد أن" مصر حققت تقدماً واضحاً في بناء الأصول المادية، لكنها لم تحقق التقدم نفسه في بناء الأصول البشرية والاقتصادية القادرة على إنتاج الثروة وفرص العمل والابتكار".
كشفت أرقام المركز المصري للدراسات الاقتصادية أكثر المفارقات وضوحاً في التجربة التنموية المصرية خلال العقد الأخير، مبينة أنه في الوقت الذي ارتفع فيه ترتيب مصر إلى المركز 52 عالمياً في مؤشر البنية الأساسية، وهو من أفضل المراكز التي تحققها الدولة بين المؤشرات الدولية المختلفة، جاءت في المركز 115 عالمياً في مؤشر رأس المال البشري.
يقول خبراء المركز من الاقتصاديين وممثلي الغرفة الصناعية وجمعيات رجال الأعمال، إن الفارق بين الرقمين لا يبدو مجرد ترتيبين مختلفين في تقرير دولي، بل يعكس فلسفتين مختلفتين للتنمية، مشيرين إلى أن" الدولة التي استطاعت تشييد آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة وتطوير موانئ ومطارات ومدن عمرانية عملاقة"، ما زالت تحتل مراكز متأخرة في المؤشرات المرتبطة بجودة التعليم والصحة والمهارات والإنتاجية.
يذكر الخبراء أن الصورة تظهر أكثر وضوحاً عند النظر إلى المؤشرات الفرعية، حيث جاءت مصر في المركز 104 عالمياً في الصحة، والمركز 99 في المهارات، و 111 في التحصيل التعليمي ضمن مؤشر الفجوة بين الجنسين، بينما احتلت المركز 61 في الابتكار والمركز 126 في كفاءة سوق العمل.
يوضح الخبراء أن خطورة هذه المؤشرات تكمن في أن الاقتصاد العالمي نفسه يتغير بصورة متسارعة فلم تعد الدول تقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية ومصانع وطرق وموانئ، بل أصبحت القيمة الاقتصادية الحقيقية تتركز في المعرفة والتكنولوجيا والمهارات والقدرة على الابتكار.
وينوه هؤلاء إلى التحول في كوريا الجنوبية، التي كانت في ستينيات القرن الماضي أفقر من كثير من الدول النامية مثل مصر، فيما تحتل اليوم المركز الخامس عالمياً في رأس المال البشري وتنافس على المركز الأول في الابتكار مع الصين والولايات المتحدة، في المقابل، تبين المؤشرات المصرية أن الاستثمار في البشر لم يواكب بالقدر نفسه الاستثمار في الحجر.
في مقابلة حديثة مع الخبيرة الاقتصادية ومديرة المركز المصري عبلة عبد اللطيف، رددت نداء متكررا للحكومة" كفاية بناء واستثمار في الحجر، اهتموا بالاستثمار في البشر لأنه طوق النجاة من الأزمات الاقتصادية التي تحيط بمصر".
جاء تقرير كلية الأعمال بالجامعة الأميركية بالقاهرة ليكشف ما يحدث عندما ينعكس ضعف الاستثمار في البشر مسببا" فجوة التحول"، حيث لا يستطيع المصريون تحويل طموحاتهم إلى أرض الواقع ويفشلون في تأسيس الشركات التي تحقق رغباتهم في الاستثمار.
بحسب الدراسة، فإن 41.
3% من المصريين يخططون لإنشاء مشروع خاص خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي، لكن نسبة النشاط الريادي المبكر لا تتجاوز 5.
4% فقط.
تؤكد الدراسة التي شارك فيها اقتصاديون ورجال أعمال، حصل" العربي الجديد" على نسخة منها" أن الأكثر إثارة للقلق أن مصر جاءت في المركز 49 من أصل 51 دولة في هذا المؤشر، حيث بينت أن هناك طموحا واسعا لدى المستثمرين، لكن البيئة الاقتصادية لا تسمح بتحويل هذا الطموح إلى شركات حقيقية.
تبين الدراسة أنه، خلال أربع سنوات فقط انخفضت نسبة نشاط شركات" ريادة الأعمال" من 11.
3% إلى 5.
4%، أي أن حجم القاعدة الجديدة للشركات الناشئة تقلص إلى أقل من النصف، أما الشركات التي تنجح في الانطلاق فتواجه معركة أخرى للبقاء، حيث أظهر التقرير أن 45.
6% من المشروعات التي أغلقت أبوابها فعلت ذلك بسبب ضعف الربحية، بينما أرجع 17.
7% من أصحابها القرار إلى صعوبة الحصول على التمويل.
من بين أكثر النتائج دلالة في دراسة الجامعة الأميركية أن 84.
3% من رواد الأعمال المصريين يؤسسون مشروعاتهم بدافع الحاجة إلى الدخل وليس بدافع الابتكار أو اكتشاف فرصة سوقية جديدة، وذلك في تناقض واضح مع الاقتصادات المتقدمة حيث تنشأ الشركات عادة لأن شخصاً ما اكتشف منتجاً جديداً أو خدمة جديدة أو تقنية جديدة، أما في الحالة المصرية فإن أغلب المشروعات تنشأ لأن أصحابها لم يجدوا فرصة عمل مناسبة.
يؤكد الخبراء المشاركون في الدراسة أن هذا التوجه أدى إلى أن معظم المشروعات التي يتبناها رواد الأعمال تتركز في أنشطة منخفضة القيمة المضافة مثل التجارة والخدمات الاستهلاكية البسيطة، بينما تظل نسبة الشركات التكنولوجية أو الابتكارية محدودة للغاية، وهو ما يسفر عن مستويات متواضعة جداً في مؤشرات الابتكار ونقل التكنولوجيا والبحث والتطوير.
في تقرير مؤشر مديري المشتريات الصادر أخيراً، عن مؤسسة ستاندرد آند بورز عن شهر مايو 2026، سجل استمرار القطاع الإنتاجي غير النفطي في منطقة الانكماش التي ظل بها منذ عام 2020، ولم يخرج منها إلا لثلاثة أشهر عام 2025، ليعود إليها للشهر الخامس على التوالي، حيث يتحرك المؤشر عند 47.
1 نقطة وهو أقل من مستوى الخمسين نقطة الفاصل بين النمو والانكماش.
يعتبر خبراء المؤسسة الدولية أن أخطر رقم أثار قلقهم لم يكن متعلقا بالإنتاج أو المبيعات بل العمالة، حيث قامت الشركات خلال مايو الماضي بتسريح العاملين بأسرع وتيرة منذ يونيو 2020، أي منذ ذروة جائحة كورونا، وذلك بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة زيادة أسعار الطاقة وتراجع قيمة الجنيه وارتفاع الأجور، مع ضعف الطلب المحلي وتراجع القوة الشرائية للأسر، حيث وجدت الشركات نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، رفع الأسعار أو تقليص العمالة، واختارت كثير من الشركات الأمرين معاًيرجع الخبير الاقتصادي أحمد خزيم عدم قدرة الاقتصاد على توليد الوظائف رغم الطفرة في بناء العقارات والطرق والجسور إلى سوء توجيه موارد الدولة واصرار الحكومة على بناء اقتصاد ريعي، يعتمد بدرجة أكبر على موارد تقليدية للنقد الأجنبي مثل السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج والاقتراض من الخارج، وتوجيه استثمارات المواطنين والأموال الساخنة لتمويل مشروعات حكومية لا تدر عوائد مالية، بينما العالم يتغير بسرعة وأصبحت المنافسة على الاستثمارات الأجنبية مرتبطة أكثر بوجود العمالة الماهرة والشركات المبتكرة والاقتصادات القادرة على إنتاج المعرفة.
يؤكد خزيم أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج الذين يتعلمون ويتدربون على نففقاتهم ويتحملون مخاطر الاغتراب، تمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد، فيما يبين فشل الحكومة في جذب الاستثمار الأجنبي في العقارات أن الاعتماد على توجيه موارد الدولة لبناء الطرق والكباري أو الموانئ كان خطأ.
وينوه إلى أنه رغم أن البنية الأساسية شرط أساسي للنمو ولا يمكن لأي اقتصاد حديث أن يعمل من دونها، فإن ما تكشفه الأرقام هو أن الاستثمار في البنية الأساسية وحده لا يكفي، فالطرق لا تبتكر منتجات، والكباري لا تؤسس شركات، والمدن الجديدة لا تخلق وحدها اقتصاداً معرفياً لأن كل ذلك يحتاج إلى إنسان متعلم وصحيح بدنياً ومدرب وقادر على المنافسة.
يشدد خزيم على أن المرحلة المقبلة لم تعد بحاجة إلى التركيز على توسيع الأصول المادية فقط، بل إلى إعادة توجيه جزء أكبر من الموارد نحو التعليم والصحة والبحث العلمي والمهارات وريادة الأعمال والابتكار، مذكرا بأن الدول التي تتقدم اليوم ليست بالضرورة تلك التي تبني أكثر، بل تلك التي تستثمر بصورة أفضل في الإنسان، وبالنسبة لمصر، يبدو أن معركة التنمية الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون على صور المدن الجديدة، بل داخل المدارس والجامعات ومراكز التدريب والمعامل والشركات الناشئة، لبناء إنسان متعلم وصحيح بدنيا ومدرب قادر على المنافسة وتنمية اقتصاد منتج قادر على تحديات العصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك