رغم وجود آلاف الشقق والمساكن المغلقة وغير المستغلة في مختلف أنحاء البلاد، يزداد حلم امتلاك منزل بالنسبة للشباب التونسي صعوبة عاماً بعد آخر، حيث تتسع الهوة بين أسعار العقارات المرتفعة وشروط القروض البنكية المشددة ومداخيل التونسيين العالقة بين التضخم وارتفاع كلفة المعيشة.
وتكشف بيانات التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن تونس تضم أكثر من 4.
26 ملايين مسكن، منها نحو 826 ألف مسكن شاغر، أي ما يقارب 19.
3% من إجمالي الرصيد السكني الوطني.
وتشير هذه الأرقام إلى ارتفاع عدد المساكن غير المأهولة مقارنة بتعداد 2014 الذي سجل نسبة مساكن شاغرة في حدود 17.
7%.
ورغم هذا المخزون العقاري الكبير، لا تزال أزمة السكن تمثل أحد أبرز التحديات أمام الشباب والأسر حديثة التكوين، في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار وصعوبة النفاذ إلى التمويل.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت أسعار العقارات في تونس زيادات متلاحقة نتيجة ارتفاع أسعار مواد البناء وكلفة اليد العاملة وأسعار الأراضي، إضافة إلى التضخم الذي ألقى بظلاله على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وتظهر المؤشرات العقارية المنشورة من قبل منصة" مبوب" أن متوسط سعر المتر المربع في الأحياء السكنية بالعاصمة تونس يتراوح بين 3500 و5500 دينار (1200 و1900 دولار) في العديد من المناطق المتوسطة والراقية، فيما يتجاوز أحياناً 7000 دينار (2400 دولار) للمتر المربع في بعض الأحياء الراقية شمال العاصمة.
أما في المحافظات الكبرى على غرار سوسة وصفاقس ونابل، فتتراوح الأسعار غالباً بين 2500 و4500 دينار (860 و1550 دولاراً) للمتر المربع بحسب الموقع ومستوى التجهيزات، وهو ما يجعل كلفة شقة متوسطة المساحة تتجاوز بسهولة 250 ألف دينار، (86 ألف دولار) وقد تصل إلى أكثر من 400 ألف دينار (137 ألف دولار) في بعض المناطق دون اعتبار كلفة القرض الذي تصل نسبة فائدته إلى 12%.
ويؤكد عضو غرفة المطورين العقاريين الهاشمي الملياني أن شطط أسعار العقارات سيخلق جيلاً كاملاً محروماً من حق التملك، مشيراً إلى أن الأسر الراغبة في شراء مساكن مكبلة بعراقيل الأسعار وشروط التمويل البنكي المجحفة.
ويشرح الملياني في تصريح لـ" العربي الجديد" أن ارتفاع نسب الفائدة خلال السنوات الماضية أدى إلى زيادة الكلفة الإجمالية للقروض السكنية بشكل كبير، ما دفع العديد من الأسر إلى تأجيل قرار الشراء أو التخلي عنه نهائياً.
ومؤخراً ثبت البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسية عند 7% وهي من بين أعلى النسب في المنطقة المغاربية والمتوسطية، كما ألغت البنوك إمكانيات توسيع فترة سداد القروض السكنية على 20 عاماً محددةً المدة القصوى لفترة السداد بـ15 سنة مع نسبة فائدة متحركة، مما تسبب في رفع كلفة الأقساط الشهرية.
ويشير الملياني إلى أن الحصول على قرض سكني يتطلب دخلاً مستقراً وقدرة ادخارية مهمة لتوفير التمويل الذاتي، وهو ما لا يتوفر لجزء واسع من الشباب، خاصة العاملين في القطاع الخاص أو أصحاب العقود الهشة.
ويلفت إلى أن الأقساط الشهرية تستهلك أحياناً أكثر من ثلث دخل الأسرة، وهو ما يحد من قدرة البنوك على منح التمويلات وفق معايير المخاطر المعتمدة، مؤكداً أن هذه العراقيل تضع حواجز كبيرة أمام الأسر الشابة بما في ذلك ذات الدخل المرتفع نسبياً.
ويضيف: " يواجه المطورون العقاريون تباطؤاً متزايداً في المبيعات نتيجة ضعف الطلب الفعلي".
ويؤكد عضو غرفة المطورين العقاريين أن عدداً متزايداً من المشاريع السكنية الجديدة يشهد بطئاً في التسويق، خصوصاً في الشريحة المتوسطة والعليا من السوق، حيث أصبحت القدرة الشرائية للمواطنين أقل من الأسعار المطلوبة.
ويشير في سياق متصل إلى أن غلاء العقارات يشمل المساكن المحدثة من قبل شركات التطوير العقاري الحكومية التي يفترض أن تلعب دوراً تعديلياً في القطاع، مما يعدم إمكانيات الحصول على سكن من مساكن القطاعين الخاص والحكومي.
تتزامن هذه التطورات مع تغيرات اجتماعية وديموغرافية تشهدها تونس، من بينها تراجع عدد الزيجات وتأخر سن الزواج وانخفاض الخصوبة التي تهدد التجدد السكاني.
ويرى الخبير العقاري نور الدين شيحة أن معالجة مفارقة" الشقق الفارغة والشباب بلا مساكن" تستوجب مراجعة شاملة للسياسات السكنية والتمويلية وتوفير رصيد عقاري من الأراضي الصالحة للبناء يساعد على بناء مدن جديدة بكلفة أقل.
وتشمل المقترحات التي قدمها شيحة في تصريحه لـ" العربي الجديد" تطوير برامج السكن الميسر، وتوسيع آليات الضمان لفائدة الشباب، وتحفيز كراء المساكن الشاغرة، فضلاً عن مراجعة المنظومة الجبائية لتشجيع استغلال الرصيد السكني غير المستخدم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك