ما يقارب الشهر، وبالتحديد 28 يومًا، تعطل جهاز موبايلي ورفض قبول كل المفاتيح والباسووردات التي أحفظها، وقفل بابه ومحتوياته، مما اضطرنا إلى مراجعة أكثر من محل وشخص لفتح هذا الآيفون اللعين الذي قفل ومعه مئات الصور والمواد المهمة وغير المهمة.
بعد إعادة فورمات وانتظار الرقم السري من الشركة الأميركية التي لم تترك سؤالًا واختبارًا إلا وأجرته معنا لغرض فتح موبيلنا الذي اشتريناه ومعنا كل الوصولات والإثباتات، لكن أميركا، وهم المتسلطون المتحكمون بهذه الأجهزة والأنظمة التي سيطرت وسلبت منا كل شيء: الأوقات، والأولاد، والعائلة، والصداقات، والأوطان.
وأني أسوق هذا الحادث الشخصي والفردي لأني بعد فتح الموبيل والخط الذي تعطل معه وجدت أول رسالة أو مجموعة رسائل تهنئة وفرح بإنجاز ونصر عظيم كما يظن ناشروه ولاصقوه ومرسلوه إليّ وإلى غيري من عباد الله.
هذا الخبر يقول إن المسلمين صلّوا صلاة التراويح على سور الصين العظيم وبحضور الرئيس الصيني، ولكثرة تداول الخبر وجدت نفسي مدفوعًا بحكم وظيفتي القضائية وعدم الحكم إلا بدليل وإثبات، وهوايتي وعملي في الإعلام، فشرعت في البحث والتنقيب عن مصدر هذا الخبر أو الجهة المعتبرة والمعروفة العنوان والرابط الذي نشره.
وقد تبين، كما هو حال أغلب منشورات الفيس بوك وإخوانه الواتس وغيرها من أجهزة التواصل والتفاعل، أنه خبر غير صحيح، وهو وغيره من الأخبار والمنشورات التي تطلب منك بأغلظ الأيمان والتوسلات نشرها، وإلا تعرضت إلى مصيبة أو حادث مفجع لك أو لأهلك، وهي في الحقيقة ليست إلا خبرًا يحتمل الصدق والكذب في آن واحد، لكنه إلى الكذب والتحريف والتخريف أقرب، حاله حال الكثير من الأخبار المنتشرة على الإنترنت بدون أي مصدر أو دليل موثوق.
فالحقيقة أنه لا توجد أي تقارير أو أخبار في أي وسيلة من وسائل الإعلام الموثوقة عن صلاة تراويح أقيمت على سور الصين العظيم بحضور الرئيس الصيني.
كما أن الكثير أو بعض الفيديوهات المنتشرة على يوتيوب أو وسائل التواصل التي تحمل عناوين مثل" ملايين صلّوا التراويح على سور الصين"، ليست تقارير إخبارية موثوقة، وغالبًا تكون مقاطع مضللة أو قصصًا غير حقيقية، كما انتشرت سابقًا مقاطع تزعم أن الرئيس الصيني صلى في مسجد، لكن التحقيق أظهر أنها فيديو قديم لزيارة رسمية لمسجد في الصين عام 2016، وليس إقامة صلاة كما يُروَّج له على الإنترنت.
هذه القصص والأخبار والفيديوهات التي تباغتنا وتهجم علينا في موبايلاتنا، والتي تأخذ وتسرق الكثير من أوقاتنا واهتماماتنا، تحتاج إلى دراسات ومراجعات من أهل الاختصاص بعلمي النفس والاجتماع، لأنها لم تعد تصرفات فردية بل ظواهر اجتماعية تستغل أيامًا وأوقاتًا معينة مثل شهر رمضان المبارك أو أزمات الحروب والصراعات من أجل إعادة أو إنتاج ونشر أخبار وفبركات لا أساس لها ولا صحة لا في دين أو عقل أو منطق.
وغالبًا هي قصص مبالغ فيها أو مفبركة تنتشر في وسائل التواصل من أجل كسب لايكات المشاهدة والإعجاب، في حين أنها تستحق الإهمال والمقاطعة والمساءلة من الجهات التي تنشرها أو تروج لها.
إنَّ الخبر والواقع الصحيح يقول إن ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يؤدون صلاتهم وفروضهم من دون حاجة إلى أدائها في الشوارع والساحات العامة، كما يجري في بعض الدول الغربية وبما يثير حفيظة وغضب بعض الجهات والأحزاب اليمينية المتطرفة التي أخذت تردد مقولات إن أوروبا سوف يكتسحها ويسيطر عليها المسلمون بعد عقدين أو 3 عقود، بفضل البعض منا الذين يسجلون وينشرون كل حركة وبركة لهم من المشي إلى المساجد والصلاة الجماعية والفطور والأذان وكأنهم في معرض أو مهرجان تعريفي لهم، بالرغم من أنها عبادة فردية بين العبد وربه، وتمارس في بلاد غريبة ونحن غرباء عنها لها خصوصياتها وقيمها ومعتقداتها وأنظمتها السياسية التي وإن كانت بعيدة عن أي دين لكنها عادلة وحكيمة، بدليل لجوء وهجرة ونزوح الملايين من بلادنا الإسلامية إلى" ديار الكفار" كما يصرح ويدعو الكثيرون وهم في تلك البلاد يعيشون ويتنعمون بخيراتها وحرياتها وجوازاتها.
ونعود ونقول إنَّ في الصين عشرات الملايين من المسلمين، خصوصًا قومية هوي والإيغور، يصلّون التراويح في المساجد داخل بيوتهم وليس على سور الصين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك