عشت في ظل هذه الخلطة من محاليل الشعر المختلفة، أتمرن على النسيان وخفق الذاكرة بشدة، حتى وقع بين يدي ديوان أحمر مجلد للشاعر محمد الماغوط، وقرأته دون توقف: يا الله … لا وزن، لا قافية، لا إيقاع محدد، ولا استعراض معجمي، لكنه يسحرني، إنه ليس نثراً مثل الذي نقرأه في الخاطرة أو الرسائل أو القصة، وأدرك في قرارة نفسي أن ما أقرأه شعراً، ولكن أين تلك المقومات المعهودة التي انبنى عليها الحدث الشعري لفترة طويلة؟ إنه شاعر بالفطرة، وهو كما يقول ليس مثقفاً ولا مطلعاً جيداً، لكنه يغامر بحساب لا يدين لشيء سوى للذوق وللتجربة، ويفتح أبواباً جديدة تركها نزار مواربة للقصيدة التي تقتفي الحياة اليومية والصور المستلهمة بعناية، وبفطنة التلصص على مكامن الجمال في الهامش كان كأنه يسحب الشعر من جيوبه، والأهم من ذلك استخدامه الذي لا يخلو غالباً من روح الفكاهة لكاف التشبيه، التشبيه الذي اعتبره النقاد العرب جوهر مفهوم المحاكاة، والذي كان يعتبر الغلو فيه مروقاً عن جوهر الشعر، لكن الماغوط كان مغالياً ولديه القدرة على شحن الكاف بكل ما هو كاف لغضب أجداد الشعر، وعن طريق الماغوط كنت أتملص من آخر خيوط شبكة نزار، التي قضم خيوطها الأولى شعر محمد الشلطامي، ثم محمود درويش، الذي يقول هو نفسه: إنه خرج من معطف نزار قباني.
.
ميزة الماغوط أنه لم يعطني خيالاً جاهزاً ولا قاموساً ولا مغامرات أحاكيها، لكنه منحني وهو يدير ظهره لي مفاتيح الشعر وأسرار القصيدة.
قال لي دون أن يقول: انظر حولك فإن الشعر منتشر في كل التفاصيل.
فقط أطل المكوث عند كل ما يمر عليه الآخرون دون اكتراث.
لا تجعل الألفة مع الأشياء تحرمك من متعة التأمل فيها.
دع قصيدتك تنهال كحلم يقظة أو كاعتراف في صومعة، أو ككثيب رمل كل يوم يغير شكله دون أن يفقد هويته، سيف رمل يحث خطاه ببطء، مثابر دون غاية.
أيقظ حس الفكاهة في أكثر الثيمات حزنا، وغادر السؤال قبل أن تغريك إجابته، وصرت أمارس تمارين هذه الحساسية الجديدة، وأكتب وعيني الثالثة مسلطة على كل ما يحيط بي، مستجيباً من جديد لإلحاح أسئلة الطفولة التي لم يجبني عليها أحد، وإعادة تلك الأسئلة شعرياً كانت باكورة ثأري من الخرس الذي أحاط بها، وعالمي القروي كان متاع القصيدة وزوادتها التي لا تنضب.
أعدت اكتشاف وراد القرية ذلك الرجل الكهل الذي مرر مجونه عن طريق الشعر، واستلهمت بريق مرايا الصخر المبلل في الصباحات المشرقة، واستدعيت قوس قزح لفراشي، وسمعت من جديد موسيقي نقر المطر على الصفيح، أعدت اكتشاف عناد شجر البطوم وبخور الشيح، ورائحة التراب الخريفي عند المطر الأول، واقتفيت بشغف خطى تلك البدوية الجامحة كذئبة في طريق الحطب والماء، وذلك الحدس المدسوس كبوصلة في رأس نملة عمياء.
.
عندما انتقلت للمدينة بقصائدي النثرية، وجدت العالم المحيط بي يتغير، فكانت الأرصفة النحيلة والأزقة اللاطمة ونار الأراجيل والشرفات الخالية وصخب المقاهي، كانت تحل مكان ذلك الأثاث، لكن القصيدة التي تفتح عينها على هذا الإكسسوار الجديد، مازال الحنين يراودها إلى ذلك المكان الغارب، حيث مخدعي الذي أرى منه النجوم.
وما بين الانتباه للحظة والحنين كان نصا آخر يتشكل.
نصا يسير قدما ينشد أساطير المستقبل، لكنه ما زال يتلفت بقلق إلى الخلف حيث فردوس الذاكرة المفقود.
يبدو أن قدر الشاعر والشعر هو ذلك التلفت الذي يجعل من مفهوم ”القطيعة” الذي تم ترويجه أكبر أكذوبة اقترفها النقد.
.
ذات عطش، وتحت سماء تتمزق فيها السحب وتتجمع، وجدت نفسي يوماً ما ضمن طقس تمثل في جماعة من الفلاحين والرعاة يؤدون صلاة الاستسقاء، كبّروا وأطلقوا أدعيتهم إلى السماء القاحلة ومضوا محتفظين بالتراب على جباههم، وما لبثَتْ أن غيمت السماء وسقطت الأمطار بغزارة، فسال التراب الذائب على وجوههم مخضباً بالبهجة.
كنت قبل ذلك بيوم شاهدت في نشرة الأخبار الجوية توقع سقوط أمطار غزيرة في الزمان والمكان نفسه، وكان ظل من المفارقة المرحة يستيقظ في ذهني وأنا احتفل مع فتيان القرية باستجابة السماء.
في تلك اللحظة أحسست إنني أقبض على الكائن الشعري، وإن روحي تتلون بألوان قزحية وتتشرب رحيق الطين المبلل.
كان الفلاحون المبتهجون يحسون أنهم تواصلوا مع السماء وجلبوا المطر بيأسهم، وكانوا يكتشفون القوة في الضراعة وهم يدرجون أسطورتهم في ملعب الطبيعة المتعالية، وكنت أدرك في قرارة نفسي أن ما حدث كان متوقعاً قبل الصلاة، وبين مرح الإنسان بأوهامه الكبيرة وفطنة علم الأرصاد الحسابي، كان الشعر، ذاك الكائن المضطرب يمد أطرافه في داخلي، ويجعلني دائم الإصغاء لكل ما يؤكد جدارة الإنسان بالحياة وهو يتنكب أوهامه العظيمة، مستمتعاً بالمكوث عند كل ما من شأنه أن يجعلنا أكثر إيماناً بقوة الجمال الكامنة في كل كائن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك