طرابلس – «القدس العربي»: أعادت عملية انتشال جثمانين من مقبرة جماعية في منطقة أبوسليم بالعاصمة الليبية طرابلس فتح ملف الانتهاكات الأمنية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الماضية، في وقت تؤكد فيه حكومة «الوحدة الوطنية» استمرار التحقيقات لكشف ملابسات الحادثة وتحديد هوية الضحايا والمسؤولين عنها.
ويأتي هذا التطور في سياق جهود أمنية وقضائية متواصلة لكشف مصير المفقودين الذين اختفوا خلال فترات التوتر الأمني التي عرفتها العاصمة، خاصة في المناطق التي كانت تخضع لنفوذ تشكيلات مسلحة انتهى وجود بعضها بعد اشتباكات شهدتها طرابلس خلال العام الماضي.
وأعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية»، الإثنين، انتشال جثمانين من مقبرة جماعية جرى اكتشافها في منطقة أبوسليم، بعد ورود معلومات تفيد بوجود جثامين مدفونة في الموقع.
وأوضحت الوزارة عبر صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك»، أن العملية جرت بإشراف مباشر من مكتب النائب العام وبمشاركة فريق مسرح الجريمة التابع لإدارة المختبرات والأدلة الجنائية بجهاز المباحث الجنائية، إلى جانب عناصر جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق الذين انتقلوا إلى المكان فور تلقي البلاغ للبدء في أعمال المعاينة والكشف.
وأكدت الوزارة أن الفرق المختصة باشرت عمليات البحث والتمشيط في الموقع فور وصولها، حيث أسفرت الإجراءات الأولية عن انتشال جثمانين من المقبرة، مشيرة إلى أنه جرى التعامل معهما وفق الإجراءات الفنية والقانونية المعتمدة في مثل هذه الحالات، بما يشمل توثيق الموقع ورفع الأدلة ونقل الجثمانين لاستكمال الفحوصات اللازمة.
وأضافت أن التحقيقات ما زالت جارية لمعرفة ملابسات الواقعة وتحديد هوية الضحايا، في إطار متابعة قضائية تهدف إلى كشف تفاصيل الحادثة وتحديد المسؤوليات المرتبطة بها.
ولفتت وزارة الداخلية إلى أن عمليات التمشيط والكشف ما زالت مستمرة في موقع المقبرة الجماعية، مع احتمال العثور على جثامين أخرى في المكان، خاصة بعد ورود معلومات أولية تحدثت عن وجود أربعة ضحايا دُفنوا في الموقع ذاته.
وأوضحت أن الفرق الفنية تعمل بالتنسيق مع الجهات القضائية لاستكمال الإجراءات اللازمة، بما يضمن جمع الأدلة بطريقة قانونية تتيح استخدامها في التحقيقات الجارية.
وكان جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق قد أعلن أمس الأحد، العثور على جثماني شخصين في الموقع ذاته، موضحًا أن المعلومات الأولية تشير إلى أنهما قُتلا على يد عناصر تابعة لما كان يُعرف سابقًا بـ»جهاز دعم الاستقرار».
وذكر الجهاز في بيان أن الضحيتين تعرضا للخطف والتعذيب قبل مقتلهما ودفنهما في مقبرة جماعية داخل منطقة أبوسليم، وفق ما أظهرته المعلومات التي تلقتها الأجهزة الأمنية.
وتشير البيانات الأمنية إلى أن المقبرة الجماعية قد تكون مرتبطة بسلسلة من الانتهاكات التي وقعت خلال فترة سيطرة تشكيلات مسلحة على مناطق في العاصمة طرابلس، وهو ما دفع السلطات الأمنية والقضائية إلى فتح تحقيقات موسعة لتتبع مصير عدد من الأشخاص الذين اختفوا خلال تلك الفترة.
وخلال الأشهر الماضية، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية العثور على عشرات الجثث في مواقع مختلفة داخل طرابلس، قالت إن بعضها يعود لأشخاص قُتلوا على يد عناصر مرتبطة بجهاز دعم الاستقرار الذي كان يقوده عبد الغني الككلي، المعروف باسم «غنيوة».
وأشارت الوزارة في بيانات سابقة إلى أن التحقيقات لا تزال مستمرة لتحديد هويات الضحايا والكشف عن ملابسات تلك الجرائم.
وكان جهاز دعم الاستقرار قد فقد دوره فعليًا في أيار/مايو 2025، عقب مقتل قائده عبد الغني الككلي خلال أحداث أمنية شهدتها العاصمة، أعقبها اندلاع اشتباكات بين عناصر الجهاز وقوات «اللواء 444 قتال» التابع لمنطقة طرابلس العسكرية.
وانتهت تلك المواجهات بسيطرة اللواء على معظم مقرات الجهاز في العاصمة، قبل أن تُسلَّم لاحقًا إلى مؤسسات أمنية رسمية ضمن مساعٍ لإعادة تنظيم الوضع الأمني في المدينة.
وشهدت تلك المرحلة توترات أمنية واسعة في طرابلس، تخللتها تحركات عسكرية واشتباكات في عدد من الأحياء، خصوصًا في مناطق جنوب العاصمة، من بينها أبوسليم التي كانت تعد إحدى أبرز مناطق نفوذ جهاز دعم الاستقرار.
وأسفرت تلك التطورات عن سقوط قتلى وجرحى، إضافة إلى أضرار مادية في الممتلكات العامة والخاصة، كما أدت إلى تعطيل الحياة اليومية لفترة في بعض المناطق.
وفي أعقاب تلك الاشتباكات أعلنت وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية السيطرة على كامل منطقة أبوسليم، مؤكدة أن العملية العسكرية التي جرت في ذلك الوقت هدفت إلى إنهاء وجود التشكيلات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة وإعادة بسط الأمن في المنطقة.
وأكدت الوزارة حينها أن القوات الحكومية تمكنت من استعادة عدد من المواقع والمقار التي كانت تستخدمها تلك التشكيلات.
كما أعلنت الجهات المختصة خلال تلك الفترة انتشال عدة جثث من مواقع مختلفة في العاصمة، خاصة في المناطق التي شهدت اشتباكات عنيفة، وهو ما فتح الباب أمام تحقيقات موسعة لكشف حقيقة الانتهاكات التي وقعت خلال تلك المرحلة.
ويأتي اكتشاف المقبرة الجماعية الجديدة في أبوسليم ليعيد تسليط الضوء على ملف المفقودين والانتهاكات المرتبطة بسنوات الصراع المسلح في العاصمة، وهو ملف لا يزال يشكل أحد أبرز التحديات أمام السلطات الليبية في مساعيها لتعزيز سيادة القانون وإغلاق ملفات الماضي.
وتؤكد الجهات القضائية أن التحقيقات المتعلقة بهذه القضايا تسير وفق إجراءات قانونية تهدف إلى تحديد المسؤولين عن تلك الجرائم، إضافة إلى التعرف على هويات الضحايا وإبلاغ ذويهم.
كما تعمل الفرق المختصة على جمع الأدلة الجنائية وإجراء الفحوصات اللازمة، بما في ذلك تحاليل الحمض النووي، في محاولة لتحديد هوية الجثامين التي يتم العثور عليها في مثل هذه المواقع.
وفي ظل استمرار عمليات البحث في موقع المقبرة الجماعية بأبوسليم، تشير التقديرات الأولية إلى احتمال العثور على جثامين أخرى خلال الأيام المقبلة، خاصة مع توسيع نطاق التمشيط في المنطقة المحيطة بالموقع.
وتؤكد وزارة الداخلية أن العمل سيستمر بالتنسيق مع مكتب النائب العام إلى حين استكمال التحقيقات وكشف جميع التفاصيل المرتبطة بالواقعة، في خطوة تقول السلطات إنها تأتي ضمن جهود أوسع لتعزيز الأمن ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك