لأنَّ الغرائبيّة من سمات الموروث الشعبي في المتن الحكائي العربي التقليدي، لكنَّ في هذا السرد «رواية العم لام» تمت لملمة التراث العراقي بأكمله منذ فجر الحضارات مروراً بكلِّ الاحتلالات والمدن والحضارات والفرسان والطغاة والفلاحين، إنّها منهل إنساني أبدع المحسن فيه، وفي رسم دلالاته عبر غرائبية تجديدية سرديّة تستدعي التأمل والإعجاب، ففي نهاية الرواية تتشكّل خوارزميّات جيّدة بين الموت والحياة، وحقيقه أنّ الإنسان يمرّ أمامهُ شلّال أعماله وما اختزنه في حياته قبل الموت، ويحقّ لنا التأشير بدهشة في ضوء تحوّلات السرد عند يوسف المحسن في تلك الأزمنة، وإظهار ما هو حقيقي وما هو تخيلي.
سيرة ملحميّة، وفق فرضيّة تدّعي أنّ الأصوات مادّة، والمادّة لا تفنى، ولا تُستحدث، ولا يمكن خلقها من العدم، ولملمة حكايات من أعماق تضاريس التاريخ بحثاً عن حقيقتها يأتي به الفضاء السردي، تلك هي روايةُ بلاد العم لام للروائي يوسف جابر المحسن الصادرة عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت 2025، قصص حبٍّ وانتقام ومواجهات وضغائن ودسائس وصراع على السلطة ومعها.
مماليك على الضفة اليمنى من نهر الفرات، وفي أوروك القديمة يسود فيها العرف القبلي، لكنّها تسير وفق غرائبيّة وتنظيم مُدهش، حيث يحتفظ الأفق بحكايات لا تنتهي عن العشاق والإقطاعيين والمنبوذين، كلُّ ذلك في مملكة الطين.
إلى جانب مسار أحداث الرواية (الواقعيّة الممتدة إلى عام 2026) يستنطق يوسف المحسن ويعيد تدوير وصياغة أحداث تاريخيّة لطغاةٍ وحكّامٍ وكنوز من الياقوت والذهب، ممسكاً فرشاة السرد باحترافيّةٍ عالية وجماليّة لا توصف، فالذي يفتح فمه، يكون فمه مأوى للذباب، بهذا المثل السومري أوقد في رأس القارئ إصراراً على التحدّي والغوص في هذا الموج السردي المتلاطم من الوقائع والأخيلة، والأفكار والمعتقدات، والانتقال بين أحداث ما زالت هائجة في عصور مختلفة.
تلك المتاهات سرُّ عبقريّة واحترافيّة يوسف المحسن، فهو يأخذك إلى مواقع العتمة، حاملاً شعلتك الوحيدة في ذاتك الإنسانيّة ويذهب بك وعلى قدميك إلى تيه مفترض في جغرافيّةٍ أنت تعرفها، لكنّك تراها للمرة الأولى في أجواء الرواية، مهندس يامِن، أو تاليتا الصقر الميكانيكي، أو حكايات العم لام، تعاقبٌ لجرِّ الرواية وخلخلة عمليّة سبكها، التي توهم كثيراً وتراوغ لتخيط شبكتها العنكبوتيّة في رأس القارئ، ليجد نفسه مترنحاً منتشياً بين قصصها، التي أحصيت بمئة مقطع وبـ359 صفحة من الحجم المتوسط، وإن كانت أكثر اتساعاً ومخفيّة بين السطور الذي حمله مطبوع المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر.
في محكيّات تضجُّ بالمثير والمُدهش من الانتقالات المعرفيّة من التاريخ إلى الجغرافيا، ثم إلى الآراء النقديّة والميثولوجيا، وحتى الدين مروراً بنوازع الغيرة والحب والشهوة والجنس المتواري، وصولاً إلى عادات الشعوب وقيمها وخبراتها ومجاهلها وصفات الحيوانات، مروراً بعصارة المعرفة الشعبيّة وهي الأمثال، يقول «العراقي امّا يرفعك على رأسه أو يدوسك على راسك».
طرحت أحاديثها وأحداثها في أربع ثوان فقط، حُشِرَ الزمن فيها ومرّت الأحداث كشريط التسجيل بين ظهور المارد الكاسح القابض لروح بطل الرواية، وهو يلتقط درّة بمثقالين، ومثلما فعلها يوسف المحسن في روايته «النسّاي» حيث الفضاء السردي الذي دُجّنَ قبالة حائط الموتى خلال ليلة واحدة، لهذا فبلاد العم لام رواية ميتافيزيقيّة لو صح التعبير، لأنها عالم ما وراء الفنتازيا، أليس غريباً أن تستمرّ مجريات رواية حتى بعد صدورها.
حكاية المهندس يامِن وهو مهندس الألغام الذي يُحصي الأصوات ويوثّق الاحتلالات في ذاكرتها لمكتنزة بـ(حدوته) العم لافي.
ففي هذه الرواية انزياحات كابوسيّة لم أعهدها في أعمال سابقة وتمازج أو علاقة بين زمن القصة وزمن الخطاب في دلالتها، إنّها جملة من العلاقات المتشابكة، وبين حركيّة لأزمنة مختلفة، وأنا على غير المعتاد في مقاربات نقديّة لم أقدِّم دليلاً في كلّ محطّة مررت بها خلال تصفّحي أو سماعي النص السردي، لم أذكر أرقام الصفحات ولا السطور، فعملٌ روائي مدهش كهذا، أظنّهُ حلّقَ بالجمال إلى حدٍّ بعيد، وسوف تكون له البصمة الواضحة والمكانة في المشهد الثقافي، خاصّة أن الروائي يوسف المحسن قدّمَ لنا ما يثبت تميّزه الإبداعي، سواء في حواراته الصحافيّة، أو في روايته «النساي» التي قدّمَ فيها أيضاً عملاً هائلاً استحقَّ الاعجاب، وسرديّات «بلاد العم لام» ستشكّل علامة فارقة في المشهد الثقافي العراقي والعربي، على ما فيها من بناء إدراكي وإحالاتي دفع به العنوان، إلّا أنّها بعيدة كلّ البعد عن العم سام، وربّما تحاكي وقائع حدثت في زمن الاحتلال لبلاد ما بين النهرين، في النهاية هي رواية تجعل المتلقّي مهما بلغت ثقافته ومواردها المعرفية، حائراً بين تصديقها أو النظر إليه كوثيقة جماليّة سرديّة سرياليّة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك