عاشت مدينة هادرسليف، في جنوب الدنمارك، ساعات من القلق والصدمة، إثر اختطاف رضيعة تبلغ سبعة أشهر من عربة أطفال وسط المدينة، في حادثة نادرة هزّت المجتمع المحلي، وأثارت مخاوف الأهالي، خصوصاً في بلد يشتهر بثقافة ترك الأطفال ينامون في الهواء الطلق خارج المنازل والمقاهي، في مؤشر يعكس ارتفاع مستوى الثقة المجتمعية.
ورغم انتهاء الحادثة سريعاً بالعثور، مساء الاثنين، على الرضيعة سالمة داخل غرفة بأحد الفنادق المحلية، لا تزال تداعياتها النفسية والاجتماعية حاضرة بين السكان، الذين وصف كثير منهم ما حدث بأنه" أسوأ كابوس يمكن أن يواجه أي أب أو أم".
وقعت الحادثة مساء الاثنين عندما كانت الرضيعة نائمةً في عربة أطفال وُضعت في الفناء الخلفي لمنزل عائلتها في وسط هادرسليف، وهو أمر شائع في الدنمارك، حيث يضع الآباء أطفالهم في الهواء الطلق للنوم، سواء أمام المنازل أو خارج المقاهي والمتاجر.
حوالي الساعة السادسة مساء، اختفت الرضيعة، بعد أن شوهد رجل يسير بعربة الأطفال في شوارع المدينة.
وبعد وقت قصير عُثر على العربة فارغة على بعد نحو كيلومتر من مكان اختفائها، ما أدى إلى إطلاق عملية بحث واسعة شارك فيها سكان المدينة إلى جانب الشرطة.
وسرعان ما انتشرت صور ومواصفات المشتبه به عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تجمّع العشرات من سكان المدينة في الشوارع والأزقة للمساعدة في البحث عن الرضيعة.
العثور على الرضيعة في فندقتمكّنت الشرطة، بعد مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، من تحديد مسار المشتبه به، ما قادها إلى تفتيش أحد فنادق المدينة، حيث سمع الضباط بكاء الرضيعة قادماً من إحدى الغرف.
عند طرق الباب، فتح رجل يبلغ 37 عاماً وهو يحمل الطفلة بين ذراعيه، فجرى توقيفه فوراً واستعادة الرضيعة سالمة.
ووفق ما كشفته الشرطة لاحقاً خلال جلسة استماع قضائية، أمس الثلاثاء، فإن الرجل متهم باختطاف الطفلة وحرمانها من حريتها، إضافة إلى محاولة اغتصابها، وهي تهم خطيرة صدمت الرأي العام في المدينة.
وقالت المدعية العامة الخاصة في شرطة الجنوب وجنوب يولاند، إن القضية" بالغة الخطورة بشكل لا يُصدق"، مضيفة أن مثل هذه الحوادث تمثل" أسوأ كابوس لأي والدين".
وجرى وضع المتهم رهن الحبس الاحتياطي لمدة أربعة أسابيع، بينما تتواصل التحقيقات لمعرفة دوافع الجريمة وما إذا كانت مخططة مسبقاً.
أظهرت التحقيقات الأولية أن المتهم كان بحوزته عند القبض عليه لهايات أطفال وقفازات مطاطية.
كما كشفت الشرطة أنه قد يكون سرق في وقت سابق بطاقات مفاتيح من الفندق الذي عُثر فيه على الرضيعة.
كما تبين خلال جلسة الاستماع أن الرجل قال بشكل عفوي عند توقيفه: " لم أفعل بها شيئاً، لكنني كنت أنوي فعل ذلك"، وهو ما زاد من صدمة الحاضرين في المحكمة.
وبحسب معلومات الشرطة، فإن المتهم لا تربطه أي علاقة بالعائلة، بينما تشير التحقيقات إلى أنه ربما كان تحت تأثير مخدرات مثل الكوكايين والأمفيتامين والحشيش.
تقليد دنماركي تحت الاختبارأعادت الحادثة إلى الواجهة النقاش حول تقليد دنماركي معروف يتمثل في ترك الأطفال ينامون في عرباتهم في الهواء الطلق.
ففي الدنمارك، من الشائع أن يرى المارة عربات أطفال مصطفة خارج المقاهي والمتاجر وحتى المنازل، بينما ينام الرضع بداخلها.
ويعتبر كثير من الدنماركيين هذا التقليد جزءاً من ثقافة المجتمع القائمة على الثقة والأمان، كما يعتقد بعض الأهالي أن الهواء النقي يساعد الأطفال على النوم بشكل أفضل، لكن حادثة هادرسليف أثارت مخاوف لدى بعض الأهالي، خاصة بين الأمهات اللواتي شعرن بأن ما حدث يقترب كثيراً من حياتهن اليومية.
وقالت إحدى الأمهات المقيمات في المدينة للتلفزة الدنماركية، إن الأمر" يبدو قريباً جداً منا"، موضحة أنها اعتادت ترك طفلها ينام في عربة الأطفال خارج المنزل، لكنها لن تفعل ذلك في الوقت الحالي.
وأوضحت أمّ أخرى في إجازة أمومة أن الحادثة" مروعة وتثير القلق"، خصوصاً أن كثيراً من العائلات في المدينة يضعون عربات أطفالهم خارج المقاهي أو المنازل أثناء نوم الرضع.
رغم المخاوف التي أثارتها القضية، تحاول الشرطة تهدئة السكان، مؤكدة أنها تعتبر الحادثة واقعة فردية وأن المشتبه به الرئيسي بات في قبضة السلطات.
وقال مفوض الشرطة كريستيان هاربو سورنسن، إن الشرطة لا ترى سبباً يدعو الأهالي إلى التوقف عن ترك أطفالهم ينامون في الهواء الطلق، مضيفاً أن القرار في النهاية يبقى متروكاً لتقدير الوالدين.
وفي محاولة لطمأنة السكان، نشرت الشرطة دوريات إضافية في شوارع المدينة وأقامت مركزاً ميدانياً للشرطة في وسط هادرسليف للتواصل مع الأهالي والرد على مخاوفهم.
كما دعت السلطات السكان إلى تجنب نشر الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن التحقيق لا يزال مستمراً لكشف ملابسات الحادث بالكامل.
في مدينة هادئة مثل هادرسليف، حيث يعرف كثير من السكان بعضهم البعض، بدت حادثة اختطاف رضيعة حدثاً استثنائياً ترك أثراً نفسياً واضحاً.
وبينما شعر الأهالي بارتياح كبير بعد العثور عليها سالمة خلال ساعات قليلة، فإن الحادثة أثارت تساؤلات حول مدى هشاشة الإحساس بالأمان حتى في المجتمعات التي تُعد من بين الأكثر ثقة واستقراراً في العالم.
ورغم ذلك، يأمل كثير من السكان أن تبقى هذه الحادثة استثناءً نادراً، وألا تغير أحد أكثر التقاليد الاجتماعية رسوخاً في الدنمارك: ثقة الناس ببعضهم البعض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك